الجزء الرابع
الجزء ٤ · صفحة ٣٥٩بحث
359
أن المراد بقوله: (فَمَنْ خَافَ مِن مُوصٍ»:أي: الذي يخاف من الموصين. فقوله: (من هنا، للبيان وليس لابتداء الغاية أي الذي يخشى أن يكون قد وقع في الجنف والإثم من هؤلاء الموصين فلا حرج عليه أن يصلح ما بين أولئك الذين أوصى لهم، وذلك خشية أن يكون قد آثر بعضاً على بعض، وأعطى أحداً ما لا يستحق، وحرم أحداً مما يستحق، فلا حرج عليه في حياته بنفسه أن يجمع هؤلاء الذين أوصى لهم وأن يصلح بينهم، أو أن يجمع بينهم وبين ورثته فيصلح بينهم، لئلا يكون في صنيعه هذا قد اجتاح بعض الحقوق الواجبة للورثة فأعطاها هؤلاء الذين
أوصى لهم.
والظاهر الذي يدل عليه السياق هو ما ذهب إليه الجمهور؛ ذلك لأن هذا الحكم ـ كما قلت - متفرع على الحكم الذي سبق في الآية السابقة: فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) وهي تقتضي أن يكون كل تبديل يترتب عليه إثم، ثم جاءت هذه الآية متفرعة عن تلك الآية لتدل على الاستثناء بأن بعض التبديل لا يكون إثماً، وذلك إذا كانت الوصية لباطل، فمن أوصى بخمر أو خنزير أو لمفسدة كأن يوصي لمخمرة أو لكنيسة أو لشيء من الضلالات والفساد، فإن هذه الوصية باطلة من
أساسها.
وأمر الوصية أمر فيه حرج كبير، وقد نبه النبي صلى الله عليه وسلم عليه، وعلى الخطورة التي تكون في الوصية، فإن على الموصي أن يتحرى مرضاة الله، وأن الله، لا يكون لهوى نفسه نصيب فى هذه الوصية بل عليه أن يتحرى وجه الحق، وأن لا يريد بما يوصي به شيئاً من إرضاء العواطف أو شيئاً من المكاسب التي يتصورها أنها مكاسب.