الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٢٠الفتاوى
الأيمان - الكفارات - النذور
الجاهلية ترى أن كثرة اليمين والحلف منقصة في الإنسان، واستدلوا لذلك
بقول الشاعر:
قليل الألايا حافظ ليمينه
وإن صدرت منه الألية
برت
ألية،
فالألايا: جمع وهي اليمين، مأخوذ من آلا يؤلي، ومنه قوله تعالى:
لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآبِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ} [البقرة: (226)، فالشاعر يصف ممدوحه بأنه قليل الألايا - أي قليل القسم - حافظ، ليمينه وإن وقعت منه اليمين فإنه يحرص على برها، وبعض المفسرين قال: لئن كان هذا الأمر من شأن أهل الجاهلية مع كونهم منغمسين في الضلال فكيف بالمسلمين، بل كيف بأهل العلم من المسلمين يقعون في مثل هذه الحالة المستهجنة المذمومة، فلا يبالي أحدهم أن يحلف بالله تبارك وتعالى لأدنى شيء من غير أن يضطره إلى الحلف أمر له قيمة.
ولكن لا نسلم أن ذلك كان من عادات أهل الجاهلية بدليل أن هذا الشاعر لم يكن جاهلياً بل هو من الشعراء الإسلاميين فهو كثير، وعليه فلا يستظهر من هذا الشعر أن أهل الجاهلية كانوا يحافظون على بر أيمانهم مع كونهم لا يحلفون إلا قليلاً. وإنما بعدما جاء الإسلام بهذا الأدب القرآني والتوجيه الرباني حافظ الذين استمسكوا به على هذه الآداب فكان من بينهم هذا الذي يعنيه الشاعر بهذا الثناء.
وقيل: بأن الذي يكثر الحلف يكون حلفه سبباً لعدم ثقة الناس به، فالناس لا يعبأون بالحلاف ولا يهتمون بأقواله، ولا يكون له ولا لأقواله وزن بينهم، ولذلك سماه الله تبارك وتعالى مهيناً فقال: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَافٍ مَّهِينٍ﴾ [القلم: 10] بل هو بنفسه يكون غير واثق من نفسه، لأن كثرة الحلف من الإنسان تنشأ عن عدم ثقته بنفسه، فهو يشعر أن الناس غير واثقين به