الفتاوى أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٨١

الأيمان

81

وتعلق ابن عباس والله لها بقوله تعالى: وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا وَاخَرَ) [الفرقان: 68] الآية. فلما كان بعد عام نزل إِلَّا مَن تَابَ وتعقبه ابن العربي بأن الآيتين كانتا متصلتين في علم الله وفي لوحه، وإنما تأخر نزولها لحكمة، علم الله ذلك فيها، ثم نقل عن أبي الفضل المراغي أنه كان يقرأ في مدينة السلام، وكانت الكتب تأتي إليه من بلده فيضعها في صندوق ولا يقرأ منها واحداً مخافة أن يطلع فيها على ما يزعجه ويقطع به عن طلبه، فلما كان بعد خمسة أعوام وقضى غرضاً من الطلب وعزم على الرحيل شد رحله وأبرز كتبه وأخرج تلك الرسائل فقرأ فيها ما لو أن واحداً قرأه بعد وصوله ما تمكن بعده من تحصيل حرف من العلم، فحمد الله ورحل على دابة قماشه وخرج إلى باب الحلبة طريق خراسان، وتقدمه الكرى بالدابة، وأقام هو على فامى (1) يبتاع منه سفرته، فبينما هو يحاول ذلك معه إذ سمعه يقول لفامى آخر: أما سمعت العالم يقول - يعني الواعظ -: إن ابن عباس يجوز الاستثناء ولو بعد سنة، لقد اشتغل بذلك بالي منذ سمعته فظللت فيه متفكراً، ولو كان ذلك صحيحاً لما قال الله تعالى لأيوب: {وَخُذْ بِيَدِكَ ضِعْنَا فَأَضْرِب بِهِ، وَلَا تَحْنَتْ [ص: 44] وما الذي يمنعه من أن يقول: قل: إن شاء الله؟ فلما سمعه يقول ذلك قال: بلد يكون فيه الفاميون بهذا الحظ من العلم وهذه المرتبة أخرج عنه إلى المراغة؟ لا أفعله أبداً، واقتفى أثر الكرى وحلله من المراء وأقام بها

حتى مات.

وهي حجة قوية ألهمها الله ذلك الفامى والله يؤتي فضله من يشاء» أما ما يمكن أن يعترض به عليها من أن ذلك إنما هو شرع من قبلنا، وهو ليس

(1) الفوم: الثوم والحنطة والخبز وسائر الحبوب التي تخبز، وبائعه فامي. (انظر: القاموس

المحيط، فصل الفاء).