الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٨٨88
الفتاوى
الأيمان - الكفارات - النذور
مراعاة العرف والقصد في اليمين
من حلف أن يأكل اللحم فأكل السمك هل يحنث؟
ذهب بعض أهل العلم إلى أن الأيمان تراعى فيها دلالة ألفاظها فيكون البر والحنث بمقتضى تلك الدلالة، ومنهم من غلب العرف والعادة، وبناء على هذا الاختلاف كان خلافهم في الحالف أن لا يأكل السمك فأكل اللحم، فمن راعى دلالة اللفظ قال بحنثه لأن الله سمى السمك لحما في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِى سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيَّا﴾ [النحل: 14) ومن أخذ بالعرف والعادة قال بعدم حنثه، لأن الناس إذا أطلقوا اللحم لم يقصدوا دخول السمك فيه، ولا ينصرف الذهن إلى دخوله، والقول الأول محكي عن أبي عبد الله ولعله، الفرسطائي، وصححه شيخنا أبو إسحاق إطفيش، حفظته منه سماعاً، واستدل له بالآية، والقول الآخر الذي عليه جمهور أهل العلم وذكر القطب رحمه لله أن أبا عبد الله قاله في محل آخر، إذ حكى عنه قوله: إن السمك ليس من اللحم إلا إن نواه ثم أتبع القطب ذلك بقوله: والحق أنه منه لنص القرآن، إلا إن نوى الحالف خروجه أو اعتاد أنه لا لحماً. يسمى والذي أختاره أن العبرة في ذلك بالنية إن كانت له نية، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات ولكل امراء ما نوى (1) وإن لم تكن له نية فالعرف هو المحكم، وعليه المعول، فإن أحداً لو أمر ولده أو غلامه أن يشتري لحماً فاشترى سمكاً لما عُدّ ممتثلاً لأمره، وعليه فلا أرى حنثاً على من أكل السمك إن حلف أن لا يأكل اللحم، اللهم إلا أن يكون في مجتمع يغلب عليه عرفاً إطلاق اللحم على السمك.
(1) رواه الربيع، باب في النية رقم (1)، والبخاري في باب بدء الوحي، رقم (1).