الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٢٠٩الذبائح
209
وعليه أصحاب مالك إلا ابن حبيب، فإنه فرق بين البقر وبين الإبل والغنم، فأخذ برأي الجمهور في البقر دونهما، وعلل ذلك بأنها شبيهة بالصيد (1)، ويفهم من كلام النيل وشرحه أن قول مالك هو مذهب لبعض أصحابنا. وحجة الجمهور حديث رافع بن خديج: قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزاة وقد أصاب القوم غنماً وإبلاً، فند منها بعير فرمي بسهم فحبسه الله به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذه البهائم لها أوابد كأوابد الوحش، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا» (2)، وذلك أن تسليط النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الفعل دليل على أنه ذكاة، واستدلوا من جهة القياس أيضاً أن الوحشي إذا تأنس يعامل معاملة الأهلي، فهكذا الإنسي إذا توحش (3)، واحتج المالكية ومن وافقهم مقدور عليه في غالب الأحوال، فلا يراعى النادر منه وإنما يكون ذلك في الصيد، وأجابوا عن حديث رافع بن خديج بأن قالوا: تسليط النبي صلى الله عليه وسلم إنما على حبسه لا على ذكاته، وهو مقتضى الحديث وظاهره «فحبسه» ولم يقل: إن السهم قتله (4).
بأنه
ويستأنس لرأي الجمهور بتشبيه النبي لأوابد البهائم الأهلية بأوابد الوحش، إذ في ذلك إشارة لطيفة إلى أنها يصنع بها كما يصنع بالوحشي، وألحق عند الجمهور بالناد من بهيمة الأنعام ما وقع في بئر أو نحوها، فتعذر التوصل إلى تذكيته بالذبح أو النحر (ه).
(1) انظر المراجع السابقة.
(2) رواه البخاري في كتاب الذبائح والصيد باب ما ند من البهائم فهو بمنزلة الوحش رقم (5190)، ومسلم في كتاب الأضاحي باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم رقم (1968).
(3) انظر المجموع: 122/ 9، 123. (4) القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: 56/ 6.
(5) انظر المرجع السابق نفسه.