الفتاوى أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٢٤٢

242

الفتاوى الذبائح - الأطعمة ـ التدخين

له هذا التصرف فأصبح أمراً مشروعاً عندما يأتيه الإنسان من بابه ويقدم عليه بإذن من ربه، وليس هذا الذكر المشروع إلا إعلاناً منه بأنه ما كان صنيعه هذا اتباعاً لهواه وعدواناً على ما خلق الله سبحانه وإنما هو استجابة لداعي الله تعالى الذي يحثه على الانتفاع بالطيبات ويمنعه من تحريمها على نفسه، فالذكر إذاً هو الذي يضفي على عمله هذا صفة الشرعية ويصبغه بصيغة التعبد وينأى به عن تبعات الظلم والتعدي ويرفعه إلى درجات القربات، وحسبكم أن الذبح قرنه النبي صلى الله عليه وسلم بالصلاة والقبلة عندما قال: «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فهو «مسلم» (1)، فلا غرو مع ذلك كله أن أغلظ القرآن حكم ترك التسمية على هذا الأمر التعبدي فزجر عن أكل ما لم يُذكر اسم الله عليه إلى حد إعلان أنه فسق، لأنه بلا ريب خروج عن طاعة من له الطاعة، والفسق أصلاً هو الخروج.

أما استدلال الذين فرقوا بين حكم العمد والنسيان بحديث ابن عباس: «المسلم يكفيه اسمه إن نسي أن يسمي الله حين يذبح، فليذكر اسم الله وليأكله فجوابه ما قاله الحافظ ابن كثير: من أن رفع هذا الحديث خطأ أخطأ فيه مغفل بن عبيد الله الجزري، فقد أخرجه سعيد بن منصور من رواية عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء عن عكرمة عن ابن عباس من قوله (2)، ولئن ثبت أنه من قول ابن عباس فهو موقوف، والحجة إنما هي في المرفوع دونه، وأما حمل النهي في الآية الكريمة على الكراهة فهو كحمل أحاديث اشتراط التسمية لجواز الأكل على الاستحباب والندب، كل منهما مخالف للأصل بلا دليل، فإن الأصل في النهي التحريم، وفي الأمر الوجوب، إلا مع

(1) رواه البخاري في كتاب الصلاة، باب فضل استقبال القبلة رقم (384).

(2) ابن كثير، تفسير القرآن العظيم: 73/ 2.