الفتاوى أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٢٥٦

256

الفتاوى

الذبائح - الأطعمة - التدخين

وعلى كل حال فقد وقع المحذور وانصرف اتجاه الغرب إلى المادية بكل معانيها وبكل ما تتضمنه هذه الكلمة من عقيدة ووجهة نظر نفسية وعقلية وأخلاق واجتماع وعلم وأدب وسياسة وحكم، وكان ذلك تدريجياً وكان أولاً ببطء وعلى مهل، ولكن بقوة وعزيمة فقام علماء الفلسفة والعلوم الطبيعية ينظرون في الكون نظراً مؤسساً على أنه لا خالق ولا مدبّر ولا آمر، وليس هناك قوة وراء الطبيعة والمادة تتصرّف في هذا العالم وتحكم عليه وتدبّر شؤونه، وصاروا يفترون هذا العالم الطبيعي ويعلّلون ظواهره وآثاره بطريق ميكانيكي بحت، وسموا هذا نظراً علمياً مجرداً، وسموا كل بحث وفكر يعتقد بوجود إله ويؤمن به طريقاً تقليدياً لا يقوم عندهم على أساس العلم والحكمة، واستهزؤوا به واتخذوا سخرياً، ثم انتهى بهم طريقهم الذي اختاروه وبحثهم ونظرهم إلى أنهم جحدوا كل شيء وراء الحركة والمادة، وأبوا الإيمان بكل ما يأتي تحت الحس والاختبار ولا يدخل تحت الوزن والعد والمساحة، فأصبح بحكم الطبيعة وبطريق اللزوم (الإيمان بالله وبما وراء الطبيعة) من قبيل المفروضات التي لا يؤيدها العقل ولا يشهد بها العلم».

ثم يقول: «إنهم لم يجحدوا بالله إلى زمن طويل، ولم يجحدوا به كلهم، ولكن منهج التفكير الذي اختاروه والموقف الذي اتخذوه في البحث والنظر لم يكن ليتفق والدين الذي يقوم على الإيمان بالغيب وأساسه الوحي والنبوة ودعوته ولهجه بالحياة الأخروية، ولا شيء من ذلك يدخل تحت الحس والاختبار ويصدقه الوزن والعد والمساحة فلم يزالوا يزدادون كل يوم شكاً في العقيدة الدينية، ولكن رجال النهضة الأوروبية ظلوا قروناً يجمعون بين النظر المادي الجاحد والحياة المادية والطقوس الدينية المسيحية بالتقليد أو بتأثير المحيط الذي لا يزال في العالم النصراني أو بمصالح خلقية واجتماعية كانت تقتضي البقاء ولو بالاسم على نظام ديني

يؤلّف

بين