الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٢٨١الذبائح
281
وهناك قول آخر روي عن أشهب من أصحاب مالك وهو الكراهة إذا كان الترك من غير استخفاف بالاسم الكريم.
وينبغي
أن نناقش وجوه هذه الأقوال مع هذا النص الصريح في القرآن الكريم ومع الأحاديث الكثيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التي هي صريحة في الأمر بذكر اسم الله تعالى عند الذبح أو عند إرسال السهم أو إغراء الكلب، كما جاء ذلك في أحاديث الشيخين من طريق عبادة بن الصامت وغيره، ومن هذه الأحاديث: «ما أنهر الدم وقطع الجلد وذكر اسم الله عليه فكلوا ليس السن والظفر» (1)، فالحديث صريح في اشتراط ذكر اسم الله تعالى، والعلماء الذين بحثوا في هذا الخلاف مع وجود النص الصريح في القرآن الكريم على النهي عن أكل ما لم يذكر اسم الله عليه انقسموا إلى قسمين، فمنهم من نظر إلى المسألة من ناحية قواعد اللغة العربية، ومن هؤلاء أبو البقاء في الكليات، فقد صور مناظرة بين الشافعي وأبي حنيفة في هذه المسألة، وذلك أن الإمام أبا حنيفة أخذ يناقش الإمام الشافعي في إباحة إكل ما لم يذكر اسم الله عليه قائلاً له: من أين لك ذلك مع أن الله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام (121)، فأجابه: بأن النهي في الآية الكريمة مقيد بكون المذبوح فسقاً، والفسق قد بينته آية أخرى وهي قول الله تعالى: ﴿أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [الأنعام: 145]، وذلك أن الواو واو الحال وليست عاطفة، ومن شأن الحال أن تفيد التقييد، فأجابه الإمام أبو حنيفة: من أين لك ذلك مع أن جعلها للحال أمر مجازي لا يصار إليه إلا مع القرينة الصارفة لها عن حقيقتها وهي العطف، فأجابه: إن القرينة هاهنا قائمة وهي
(1) رواه البخاري في كتاب الشركة باب من عدل عشراف من الغنم بجزور رقم (2372) ومسلم في كتاب الأضاحي باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم رقم (1968).