الجزء الخامس
الجزء ٥ · صفحة ٣٢٦326
الفتاوى الذبائح - الأطعمة - التدخين
الدم المحرم:
أنه
وقد أطلق الدم في هذه الآية الكريمة وقيد بالسفح في آية الأنعام، فقد قال الله: قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَى مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} [الأنعام: 145]، ومن المعلوم أن من القواعد المشتهرة عند الأصوليين أن الإطلاق يحمل على التقييد، وعليه فهذه الآية يحمل إطلاقها على التقييد الذي في آية، الأنعام، وهذا القول ـ وهو أن التحريم خاص بما كان مسفوحاً فقط - هو قول أصحابنا، وإنما نقل القطب رحمه الله في الهميان أن منهم من شد فقال: بأنه يحرم غير المسفوح، وبقول أصحابنا قال جمهور الأمة، فبذلك قال المالكية والحنفية، وغيرهم، وإنما ذهبت الشافعية إلى أن هذا التقييد الذي في سورة الأنعام غير معتبر فيحرم الدم مسفوحاً كان أو غير مسفوح، وعدوا ذلك التقييد لغرض أن العرب كانوا يسفحون الدم فيستعملونه بعد السفح وعليه فالإطلاق لا ينافي التقييد عندهم، على من المحتمل أن تكون آية البقرة نزلت بعد آية الأنعام، وآية الأنعام ليس فيها نفي لوجود محرّم ما عدا الأصناف الأربعة، وإنما فيها نفي لأن يجد رسولُ الله فيما أوحاه الله له الا الله إليه محرماً غير تلك الأصناف، وذلك لا ينافي يوحي الله الله إليه بعد ذلك تحريم ما لم يكن أوحى إليه بتحريمه من قبل، وهذا القول الذي ذهبت إليه الشافعية حكى القطب عن ابن الحاجب بأن قلة نادرة ذهبت إليه أيضاً من المالكية، ولكن الإطلاق والتقييد كالخصوص والعموم، فأينما وجد دليل مطلق ووجد معه دليل آخر مقيد فإن إلغاء القيد لا يصح، إذ لو لم يكن القيد مقصوداً لما كان معنى للتقييد، وعليه فإذا تأخر الدليل المطلق على الدليل المقيد لم يكن في هذا التأخير ما يقتضي نسخ ذلك التقييد كما أن تأخر العموم عن الخصوص لا يقتضي إلغاء التخصيص، بل يقدم الخصوص على العموم سواء تقدم الخاص أو العام.
أن