الفتاوى أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الخامس

الجزء ٥ · صفحة ٣٢٩

الأطعمة

329

ولا يبعد أن يكون أبو حيان عندما ألف تفسيره البحر المحيط لا يزال متمسكاً بالمذهب الظاهري، إذ غير بعيد أن يكون تأليفه له عندما كان بالأندلس، فإنه كان بالأندلس ظاهرياً ثم عندما انتقل إلى مصر تحول من مذهب الظاهرية إلى المذهب الشافعي ورد أبو حيان ـ في تفسير هذه الآية الكريمة ـ على ابن عطية رداً شديداً لعدم اعتداده بخلاف داود الظاهري وأصحابه في هذه المسألة، ويفهم من كلام أبي حيان المذكور أنه يميل ميلولة ظاهرة إلى قول الظاهرية بحصر الحرمة في اللحم فقط، وقد أخذ جمهور العلماء ـ الذين قالوا بأن الحرمة شاملة للحم والشحم وكل من انطوى عليه الخنزير حتى قال بعضهم: يحرم من الخنزير كل ما كان في عمق عظمه إلى ظاهر جلده - أخذ هؤلاء يبررون ذكر اللحم هنا بمبررات متعددة، وقد درج مفسرو المالكية على الاستدلال لذلك بقول الإمام مالك: إن من حلف ألا يأكل لحماً يحنث بأكله الشحم، ومن حلف أن لا يأكل شحماً لا يحنث بأكل اللحم، وهم في ذلك بانون على قاعدة غير متفق عليها فإن ذلك، مالكاً خولف في و ممن خالفه الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وأبو ثور وأحمد فعندهم من حلف بأن لا يأكل لحماً لا يحنث إن أكل شحماً إلا إذا كانت له نية، وقريب من قول مفسري المالكية - بأن مدلول اللحم يصدق على الشحم ـ تفسير الزمخشري حيث قال: بأن الشحم داخل في اللحم يوصف به، ألا ترى أنه يقال لحم سمين أي شحيم، وقد تعقب كلامه هذا أبو حيان بأن هنالك فارقاً بيناً بين الصفة والموصوف، فيقال: رجل لابن إذا كان عنده لبن ويقال رجل عالم إذا كان عنده علم، ولكن إذا جرد من

لأنه

الصفتين فقيل: رجل، لم يفهم من ذلك أنه رجل لابن أو رجل عالم. وبهذا فإن ما يوصف به اللحم من كونه سميناً لا يستدل عليه بنفس لفظ اللحم كما لا يستدل على أي صفة من صفات الرجل بإطلاق لفظ الرجل،