الجزء السادس
الجزء ٦ · صفحة ٣٦36
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
وأيد هذا القول ابن حزم في كتابه المحلى، وهو الراجح عندي لأن ارتكاب أخف الضررين لدرء أشدهما أولى من العكس ومن المعلوم أن إجراء عملية قيصرية للأم الميتة من أجل المحافظة على حياة الجنين ضرر أخف من ضرر قتل ذلك الجنين.
لذلك نرى أن الأخذ بهذا واجب بل الدليل عليه واضح في قوله تعالى: وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} (1) وما قيل من أننا غير مسؤولين عنه لأنه في عالم الغيب وما كان في عالم الغيب فلا يعتد به ولا تشمله الأحكام بشيء، لأن الأجنة لهم أحكام وإن كانوا في عالم الغيب ولذلك من تسبب في إسقاط جنين لزمته ديته، فقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم في
الجنين بغرة عبد أو أمة (2) مع أنه لا يزال كما قالوا في عالم عالم الغيب. لذلك أرى وجوب إجراء العملية القيصرية من أجل إنقاذ هذا الجنين حتى يخرج إلى الدنيا وينال حظه من الحياة فيها، بل وجدت فتوى لشيخنا أبي إسحاق في هذا تنص على أنهم (إن دفنوا المرأة مع وجود الجنين في أحشائها ولم يخرجوه فعليهم دية ذلك الجنين)، ومعنى ذلك أنهم تلزمهم دية الجنين مع التوبة من المحافظة على حياته، وهذا القول كما قلت من الصحة بمكان.
تفريطهم في
(1) سورة المائدة، الآية: 32.
(2) لحديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في امرأتين من هذيل اقتتلتا فرمت إحداهما الأخرى بحجر فأصاب بطنها وهي حامل فقتلت ولدها الذي في بطنها فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقضى أن دية ما في بطنها غرة عبد أو أمة … ) رواه الربيع في مسنده برقم 665، والبخاري في كتاب الطب باب الكهانة وكتاب الديات باب جنين المرأة، ومسلم في كتاب القسامة باب دية الجنين ووجوب الدية في قتل الخطأ وشبه العمد على عاقلة الجاني.