الجزء السادس
الجزء ٦ · صفحة ٢١٢212
الفتاوى الجنائز - حوادث المركبات
ما يعتذر به الأبناء تجاه أُمهم ـ التي تنصحهم باستمرار ـ على أن
الحياة تجري بمقادير وأن الموت لن يكون إلا إذا كتبه الله ثم هم
لا
يستجيبون ويعتذرون أن الشوارع مفتوحة مؤهلة للإسراع؟ هؤلاء جهلة لا يحسنون تصريف الأمور فمن رمى نفسه في بئر لن يصيبه إلا ما كتب الله له، ومن رمى نفسه من شاهق أو جبل لن يصيبه إلا ما كتب الله له ومن شرب سماً - أيضاً - لن يصيبه إلا ما كتب الله له، فإن كل شيء بقضاء وقدر، وكل ما يجري في هذا الكون إنما يجري بتدبير من الله ولكن الله ـ سبحانه وتعالى - أوجد الأسباب واقتضت حكمته أن تكون مفضية إلى مسبباتها، وما على الإنسان إلا أن يأخذ بأسباب الخير وأن يدع أسباب الشر، فلو كان هذا الذي يقولونه عذراً لهم في الإسراع لكان أيضاً في ذلك عذر لمن رمى نفسه من شاهق أو رمى نفسه في بئر أو من شرب سماً أو من أطلق على نفسه النار أو من فعل أي شيء من هذا القبيل، لأن كل ذلك إنما تكون الإصابة فيه بقدر من الله تعالى، إذ لن يصيب أحداً شيء إلا ما كتبه الله ـ تعالى ـ عليه، ولكن الله - تعالى - أوجد العقول في البشر ليحسنوا التصرف في أمرهم وجعل الإنسان أميناً على نفسه: {بَلِ الْإِنسَنُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَة (1)، فهو مأمور أن يتقي كل ما يؤدي به إلى الهلاك والضرر، بل مسؤولية الإنسان أكبر من ذلك فهو ليس أميناً على نفسه فحسب بل أمين على ما حوله فإن كان لا يبالي بأن يورد نفسه موارد الهلاك والعطب فهو هالك وبما أنه أمين على كل شيء حوله يسأل عن كل ما كان سبباً في
عطبه، والله أعلم.
(1) سورة القيامة، الآية: 14.