الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٨٩فتاوى الزكاة
289
الأمة، وتطهير نفوس الأغنياء من الأثرة والشح، ونفوس الفقراء من البغضاء والحقد؟ أليست هذه الحالة هي التي جاء القرآن الكريم ليقضي عليها من خلال أحكامه العادلة، وقد نبه على أنها مبدأ مرفوض في الإسلام، عندما قال تعالى ـ بعد تبيان أحكام الفيء: كَى لَا يَكُونَ دُولَةٌ بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنكُمْ} [الحشر: 7] أليست هذه هي الطبقية الممقوتة، والفجوة السحيقة الفاصلة بين الطبقات؟
والقرآن الكريم أفاد وجوب الزكاة في الأموال، ولم يميز بين صنف وآخر منها، بل جاء بما يفيد عموم الحكم فيها، وذلك في قوله: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا} [التوبة: 103]، فإن الأموال جمع مال، وهو كل ما يجوز تملكه والتصرف فيه، وتعريف الجنس بالإضافة كتعريفه بالتنكير في إفادة عموم الحكم، ويتأكد ذلك بصيغة الجمع، إلا أن النبي عندما أخذها من صنوف المال التي يحتاج إليها الناس في قوام حياتهم وهي ما يدخر ويقتات به من الزروع والثمار، وكذلك الأنعام من الماشية، وإنما كانت هذه الأصناف من قوام الحياة لأن الحياة تتوقف على الأقوات، وغالب أقواتهم آنذاك من هذه الحبوب ومن بهيمة الأنعام، وأما النقدان فقد كانا وسيلة تبادل هذه المنافع وغيرها فلذلك عدا من ضرورات الحياة، فشرعت الزكاة فيها، ومما هو جدير بالانتباه أن نفوس البشر جميعاً تتطلع إلى النقدين وإلى هذه الأصناف الأخرى أكثر من أي نوع آخر من صنوف المال لحاجتها الملحة إليها، فكان من حكمة الله تعالى البالغة أن شرع بواسطة نبيه الله أخذ الزكاة من هذه الأصناف لسد حاجات الفقراء هذه الأصناف دون غيرها تنبيه للناس بأن كل ما كان
بها وفي
الأخذ
من
على صفتها فالزكاة فيه واجبة، وإنما أخذ النبي صلى الله عليه وسلم الزكاة منها آنذاك لأنها هي الأموال التي كانت متوفرة عند العرب من هذا النوع، وقد ألحق
وحدها