الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٦٧تثمير أموال الزكاة
بحوث
567
حدد الله في كتابه مصارف معينة للزكاة في قوله عز من قائل: ﴿إِنَّ الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَمِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللهِ﴾ [التوبة: 60]، ولا يجوز لأحد صرف الزكاة في غير هذه المصارف المشروعة بنص الكتاب، وما من شك أنه لا يتسنى لأي أحد أن يضعها بفسه في جميع هذه المصارف، لتوقف ذلك في بعضها على وجود ولي أمر للمسلمين، يضع كل شيء في نصابه الشرعي، فيأخذ الزكاة بحقها ويضعها في مستحقها، إذ من هذه المصارف سبيل الله، وهو مصرف واسع يشمل وجوهاً شتى من مصالح الأمة في دينها ودنياها، والقائم برعاية ذلك كله هو ولي أمر المسلمين، الذي يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويقيم فيهم حدود الله وينفذ فيهم فإنه أجدر برعاية مصالحهم، وأحق بجمع صدقاتهم ووضعها حيث أمر الله، فيعطي الفقراء والمساكين والعاملين عليها وسائر الأصناف المفروضة لهم مستحقاتهم منها بحسب ما يقتضيه ميزان العدل، أما مع انفراط عقد المسلمين وعدم وجود من يقوم برعاية مصالحها، فإن كل واحد منهم
أحكامه،
مطالب بأن يتحرى الأمانة والعدل في أداء ما فرض الله عليه من زكاة ماله. هذا، ولم أجد في شيء من كتب الفقه السابقة تعرضاً لاستثمار أموال الزكاة قبل وضعها في مواضعها، وإنما أفادت مراجع الفقه وغيرها ما ذكرته من قبل من اختلاف نظرة الفقهاء بين التوسعة والتضييق في بعض المسائل، بناء على اختلاف نظرتهم في ترجيح أحد الأصلين على الآخر، فمن راعى
جنب التعبد شدد في ذلك، ومن راعى جانب المصلحة كان بخلافه. ولئن كانت المصلحة هي المحور الذي يدور عليه الفقهاء الموسعون،