الفتاوى أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٥٦٨

568

الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم ـ الحج

فإن قضية الاستثمار يجب أن تكون موضوعة في إطار المصلحة، فيحكم بجوازه أو منعه بناء على ثبوتها أو انتفائها، إلا أنه لا يمكن أن يترك الحبل على الغارب في ذلك، فيباح لكل أحد أن يتصرف وفق ما يدعيه من المصلحة التي يراها، وإنما ولي أمر المسلمين الأمين هو بمثابة الوكيل الشرعي لهم جميعاً في رعاية مصالحهم، فإن وجد أن الزكاة قد سدت حاجة الفقراء والمساكين، وكانت بيده فضلة منها لو تركت لاستهلكت، فلا مانع هذه الحالة - حسب نظري - من استثمار هذه الفضلة الزائدة عن حاجة أهلها فيما يعود عليهم بالنفع الأعم.

في

وربما كان في صنيع عمر ه ـ عندما حبس الفيء على المسلمين لينتفعوا بريعه من غير أن يقتسموا أصله - ما يستأنس به لصحة هذا النظر وسلامة هذا الاتجاه، وكذلك صنيعه - رضوان الله عليه ـ عندما رأى الإسلام اشتد عوده وعظمت منته، وبسقت دوحته، ولم يكن بحاجة إلى استعطاف المؤلفة قلوبهم لاستدرار نفعهم واتقاء، ضرهم وقف عنهم سهمهم من الزكاة، وليس ذلك إلا لما أبصره من حكمة التشريع، وأدركه من أبعاد المصلحة، فإن مشروعية إشراكهم في الزكاة ما كانت إلا لاجتلاب نفعهم ودفع ضررهم، وبما أن المسلمين أصبحوا في غنى عن ذلك لما آتاهم الله تعالى من قوة ووهبهم من تمكين رأى ذلك الخليفة الراشد البصير أن بقية مصارف الزكاة هي أولى بالتوفير، فوقف عنهم هذا السهم، وكان ذلك على مرأى ومسمع من سادة الأمة المهاجرين والأنصار، ولم يكن منهم نكير، فكان ذلك إجماعاً سكوتياً.

ولئن ساغ اجتهاد ولي الأمر في ذلك عندما يرى مصلحة الفقراء والمساكين متعينة في استثمار نصيبهم من الزكاة، بعد سداد خلتهم وإشباع مسغبتهم، فإنه لأحرى أن يجوز في نصيب المصرف السابع وهو سبيل الله، لأنه

من

أصله