الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٧٠570
الفتاوى
الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج
وحي السنة في خطبتي الجمعة
الحمد الله وكفى وصلاته وسلامه على سيدنا محمد المصطفى، وعلى
6
آله وصحبه وسائر عباده الذين أصطفى أما بعد فإن خير قدوة عرفه التاريخ، وأفضل إمام سار على هديه الراشدون هو رسول الله صلى الله عليه وسلم باب الهداية ومفتاح السعادة، لذلك كان التأسي به ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ آية الإيمان وكمال التصديق، قال الله تعالى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، ومن ثم كانت سنته مصدراً هاماً من مصادر التشريع، فإنها مرآة تعكس معاني التنزيل، ومعالم يهتدى بها إلى حقائق التأويل، وما أحوج العالم والعامل إلى جعل السنة نصب أعينهما، يستوحيان بها الدراية، ويستمدان منها الهداية، وهذا شأن كل من أراد السلامة لنفسه، ولكن السنة قد تشتبه أحياناً بالبدعة، بسبب التباس بعض الروايات ببعض، حتى يعرض الناس عنها حرصاً على سلامة دينهم من المحدثات ويلوموا من عملها كأنما ارتكب فجوراً أو أخل بلازم، ومن ذلك سنة تثنية الخطبة يوم الجمعة والجلوس بين الخطبتين، فقد ظنها بعض أصحابنا ـ رحمهم الله - من محدثات معاوية بن أبي سفيان، فتركوها ولم يعملوا بها، بينما هناك فريق آخر عرف المسألة حق المعرفة، فحض على اتباع السنة فيها، وكلا الفريقين من أهل نحلة الاستقامة.
وفي هذا العصر وقع الاختلاف فيها بين مشايخ العلم بقطرنا، حتى بقي في نفوس بعض الناس خواص وعوام حرج على من عمل بها لعدم إيلافهم إياها، ولا غرو، فإن الطباع تشمئز مما لم تألفه والقلوب لا تطمئن إلا إلى ما كان معروفاً عندها، ومن حيث إن إظهار الحجة ودرء الشبهة في
هذه
الحالة مما يلزم القادر، رأيت ضرورة كشف الستار عن حقيقة الموضوع،