الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٧٣بحوث
573
الجلوس بين الخطبتين، لما جاء في رواية ابن عمر التي أخرجها أبو داود قال: (كان النبي يخطب خطبتين، كان يجلس إذا صعد المنبر حتى يفرغ المؤذن ثم يقوم فيخطب ثم يجلس فلا يتكلم ثم يقوم فيخطب)، فقد استفيد من هذا الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يتكلم بشيء حال الجلوس بين الخطبتين، ورواية أبي داود لحديث ابن عمر هذا ـ وإن ضعفت بعبد الله العمري ـ فهي صالحة للتقوي بها على إيضاح إبهام الرواية الصحيحة، وأيضاً فإن ذلك يتأيد بما ألف عند الجميع أن قراءة القرآن والتذكير إنما يكونان حال الخطبة لا حال الجلوس بين الخطبتين.
هذا ما ثبت عن الهادي الأمين - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ في الصحاح والسنن ـ وكفى به حجة ودليلاً لمن أراد التأسي به ـ عليه صلوات الله وتسليماته - امتثالاً لأمر الله سبحانه الذي يحض على اتباعه وينص على جعل ذلك من مقتضيات الإيمان برسالته، فالله تبارك يقول: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ) [الأحزاب: 21]، ويقول سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65)، ويقول عز شأنه: ﴿وَمَا آلَنَكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَنكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]، وقد أتت في هذا المعنى أحاديث صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، منها قوله: تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا أبداً، كتاب الله فما لم تجدوه في كتاب الله ففي»، وقوله: «إن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد … إلخ». ومن هنا كان الصحابة والتابعون لهم بإحسان - رضي الله عنهم وأرضاهم - أحرص الناس على التأسي به ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ واتباع سنته والاستضاءة بنوره واستمداد المعارف من فيضه وهذه هي طريقة أهل الاستقامة في الدين، إذ لم يكونوا يعدلون بسنته صلى الله عليه وسلم سنة أحد من الناس،
سنتي»،
-