الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٧٧في
بحوث
OVV
الخطبتين مستنداً إلا توهم بعض السلف أن ذلك أمر محدث، لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أبو بكر وعمر وعلي، وإنما أحدثه عثمان حينما كبر وشق عليه الاستمرار على أداء الخطبة قياماً، ومنهم من نسب ذلك إلى معاوية حينما كثر شحم بطنه ولحمه فشق عليه القيام، وقد صار هذا الظن متداولاً الأسفار ينقله الآخر عن الأول، وهذا ما قاله الإمام ابن بركة الله في جامعه: ولم يرفع إلينا أن أبا بكر ولا عمر ولا علياً كانوا يجلسون، وإنما فعل ذلك عثمان في آخر سنه للكبر، وقال بعض معاوية هو الذي أحدث الجلوس اهـ. وقد حذا حذوه في ذلك جميع العلماء الذين لم يروا الجلوس وهذا نص كلام الإمام نور الدين السالمي الله في «الحجج المقنعة» ـ بعد أن ذكر الاختلاف فيمن أحدث الجلوس هل هو عثمان أو معاوية ـ قال: وأنت خبير أنه إذا كان الجلوس بين الخطبتين محدثاً فالمندوب تركه، أما أولاً فالتأسي بالسنة أولى من العدل إلى البدعة وإن كانت جائزة، وأما الثانية فلان عثمان أو معاوية إنما أحدث الجلوس لما حصل له من العذر، فلا ينبغي للصحيح الغير المعذور أن يتأسى بالمعذور، وإن كان فعل المعذور جائزاً ـ مثلاً ـ إذا كان المشروع خلافه والفضل في غيره ا هـ.
فأنت ترى أن مدار احتجاجهم في عدم استحباب الجلوس على ظن حدوثه، ولكن من طلب الحقيقة من مظانها بالرجوع إلى كتب الحديث وتتبع الروايات الواردة في الموضوع ظهرت له بخلاف ما ظنوه وعرف منشأ هذا الظن الذي تداولته الألسنة وتناقلته الأقلام، حتى جرى من أفهام بعض مشايخ عصرنا مجرى اليقين وخلاصة الأمر أن الجلوس بين الخطبتين قد سنه الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدثه عثمان ولا معاوية، وقد أسلفنا ذكر بعض الأحاديث الدالة على ذلك، ولكن قد التبس الأمر على بعض العلماء بسبب ما أحدثه عثمان وما أحدثه معاوية، أما عثمان فإنه لما تقدم