الفتاوى أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٥٩٧

بحوث

597

بعد الآيات من سور حددها، ولا يخفى أنه مع مثل هذا الاختلاف لا تبقى النفس مستقرة على شيء، فلا غرو إن لم يعول أصحابنا على هذه الروايات وعولوا على رواية ابن عباس الجازمة بعدم القراءة - أي: لأكثر من الفاتحة الشريفة ـ فإن قيل إن ابن عباس له نفسه ما كان مستقراً على الجزم في ذلك؛ لما رواه عنه أبو داود أنه قال: لا أدري أكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الظهر

والعصر أم لا؟

قلت: يبعد أن يصح ذلك عنه لوجوه:

أولها: لو كان ذلك صحيحاً لما قال لسائله عندما قال له: (لعله كان يقرأ في سره هذه شر من الأولى)؟ وقد ثبت ذلك عنه من رواية ابن أخيه عبد الله بن عبيد الله كما رواه أبو داود، ورواية عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة كما رواه أبو داود والنسائي، فإن هذه الإجابة منه قاطعة لدابر الشك وقاضية على زعم التردد منه، وإلا فما باله جعل هذا التساؤل شراً لو أنه كان في نفسه غير

جازم بما أجاب به، ويعزز ذلك قوله: كان عبداً مأموراً بلغ ما أرسل به. ثانيها: أنه (قال لسائله: خمشاً كما في رواية عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، وهو دعاء عليه بخمش وجهه أو جلده، وأنَّى لابن عباس في سعته وحلمه وأناته أن يدعو بهذا على من اعترض عليه بسؤاله في أمر لم يستيقن فيه الحق، ولم يستبن فيه الرشد؟

ثالثها: أنه يبعد كل البعد أن يكون ابن عباس الذي تضرب إليه أكباد الإبل من آفاق الأرض، وترد إليه عويصات المسائل، ويحتكم إلى رأيه عند الاختلاف والجدل، يجهل من مسائل صلاته ما يلقنه الصبية أول ما يمرنون على الصلاة، ويدربون على أدائها، أوليس هو الذي دعا له ابن عمه بقوله: «اللَّهُمَّ فقهه في الدين وعلمه التأويل ليت شعري أيكون هذا مبلغ فقهه في