الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٩٩بحوث
599
فيه بيعبوبه السباق الذي لا يجارى فقد قال رحمه الله في «نثاره»: «ثم هؤلاء الصحابة الذين أسندوا إليهم روايات قراءته فيهما لم ينقلوا عنهم أنهم قالوا في صلاتي العصرين أنهما، جهريتان، بل نقلوا عنهم مجرد قراءته، فمنهم من عين القراءة بالحزر والتخمين ومنهم من عينها نصاً، فقال قرأ فيهما كذا وكذا، ومنهم من استدل على ما كان يقرؤه ببعض الآيات التي كان يسمعهم إياها أحيانًا، فهؤلاء الرواة ولا شك أنهم أو أغلبهم كانوا يصلون معه صلاته تلك، فهم في تلك الصلاة على أحد أمرين: إما أن يكونوا منصتين لما يسمعون، وهنا لا بد قد استحالت الصلاة عن حكمها عجماء وعن حكمها سرية إلى حكمها جهرية فانخرق الإجماع، وإما أن يكونوا غير منصتين لما يسمعونه فقد عطلوا فرض الإنصات، وهنا لا بد لهم إما أن يكونوا غير منصتين يتابعونه في قراءته تلك فقد نازعوه في قراءته وقد نهاهم عن منازعته فيها، كما في حديث (1)، وإما أن يكونوا لا يتابعونه مع عدم إنصاتهم لقراءته فقد خرجوا من عمل الصلاة بعدم الإنصات، فلا بد لهم من لزوم حال من هذه الأحوال في تلك الصلاة.
وعلى كل حال فلا بد من كون تلك الصلاة جهرية؛ لأن قرآنها مسموع للمأمومين، ولا يكون معقولاً أن يكون قرآنها مسموعاً وهي في حكمها سرية، إذ المنطوق به إذا تجاوز إلى سمع الغير لم يبق في حكم الإخفاء والإسرار، بل قد انتقل إلى حكم الإظهار والجهر والسر والجهر ضدان لا يجتمعان ولا يتصف بهما منطوق واحد في حال واحدة، فبطل أن يكونوا سمعوه، وهو مسر بمنطوقه، وبطل أن يكون منطوق به يخرج من فم الناطق فيتصل بأذن سامع فيتكيفه ذلك السامع ويفهمه ويؤديه عن الناطق إلى
(1) كذا في الأصل.