الفتاوى أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٦٠٤

604 الفتاوى الصلاة - الزكاة - الصوم - الحج

أنها.

من أول الشهر، ولست أراه، ولو علمت من يصومها من أول الشهر وملكت الأمر أدبته وشردت به؛ لأن أهل الكتاب بمثل هذه الفعلة غيروا دينهم» اهـ. وممن نصَّ على كراهة صيامها من المالكية ابن شاس في «الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة والقرافي في «الذخيرة» وزكى القرطبي قول مالك هذا بقوله: «وقد وقع ما خافه، حتى أنه كان في بعض بلاد خراسان يقومون لسحورها على عادتهم في رمضان» اهـ.

فانظر كيف بلغ بأصحاب مالك التشدد في هذا حتى جعلوا صيام هذه الست طريقاً إلى البدعة وحدثاً في الدين يعاقب فاعله بالتأديب والتشريد مع ثبوت الحديث الصحيح المرغب في صيامها؟ والنبي صلى الله عليه وسلم هو أولى بالغيرة على الدين الذي جاء به أن يكدر صفوه بشوائب البدع، على أن تزكية القرطبي لما ذهب إليه إمامه مالك في هذا ليست بشيء، فإن قيام ليل هذه الست ليس من البدعة في شيء بل هو كقيام سائر الليالي إذ لا يختص القيام بليالي رمضان وحدها، كيف وقد أثنى الله على عباده الصالحين بقوله: كَانُوا قَلِيلًا مِنَ الَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [الذاريات: 17] ووصف المتقين بقوله: ﴿الصَّبِرِينَ وَالصَّدِقِينَ وَالْقَنِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 17] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أَسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: (21) وكان من دأبه عليه الصلاة والسلام أن يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، ولم يمنع من ذلك أصحابه، فقد قام معه ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عندما بات عند خالته ميمونة، فتبع النبي صلى الله عليه وسلم في قيامه، وهكذا كان شأنهم في اقتدائهم بالنبي صلى الله عليه وسلم في عبادته، ولا يُسلّم لابن العربي أن بهذه الفعلة غيّر أهل الكتاب دينهم، لأن تغييرهم لدينهم ما كان باتباعهم

أنبياءهم ولكن بعصيانهم لهم، وفي صيام هذه الست بعد رمضان إتيان بما رغب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم.