الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦٩فتاوى الصلاة
79
أبلغ في السلطة وأقوى في النفوذ، فإن للعقلاء حرية في التصرف والاختيار ليست لغيرهم، فضلاً عما يفيده الشمول من عمق المعنى.
هذا ولا أظنك مع أقل نظرة وإمعان تخفى عليك قوة الوجوه التي رجحت بها قراءة «مالك» على الوجوه التي تقابلها، فقد شاهدت كيف أخذت تلك الوجوه التي رجحت بها قراءة «ملك» تتساقط أمام الاعتراضات التي وجهت إليها حتى لم يبق منها وجه سالم من الاعتراض، بينما ظلت هذه الوجوه شامخة الأنوف لم يحم حولها أي اعتراض، ومع ذلك كله فإني لا أجد داعياً إلى كل هذا البحث كما أسلفت من رأيي، إذ إن القراءتين متواترتان صحيحتان بالإجماع، وقد قرأ بكل واحدة منهما من قرأ بها من القراء المجمع على صحة قراءتهم وجواز الصلاة بها على أن أي قارئ أخذ يقرأ بإحدى القراءات السبع أو العشر كان عليه أن يراعي جميع مفرداتها، وأن يحافظ على كيفية أدائها، ليكون قد وفاها حقوقها، فمن كان يقرأ بقراءة نافع مثلاً ـ كما هو المتبع هو المتبع عند أهل المغرب سواء اعتمد رواية ورش أم قالون - فمن حقه أن يقرأ «ملك» بدون مد، وهكذا لو قرأ بقراءة أبي عمرو أو ابن عامر أو حمزة أو ابن كثير، أما إن كان يقرأ بقراءة عاصم كما هو المتبع في بلاد المشرق - ومن بينها بلادنا عُمان ـ فليقرأ «مالك» بالمد المتكون من حركتين حتى لا يشذ عن القراءة التي انتهجها، أما أن يقرأ بقراءة أحد القراء ثم يأخذ ينتقي بعض الحروف من القراءات الأخرى فهو مما لا يقر عند علماء المقارئ فقد ذكروا فيمن أراد أن يقرأ بأكثر من قراءة ثلاثة أوجه:
أولها أن يقرأ القرآن كله بإحدى القراءات مع مراعاة ما تستلزمه، فإذا فرغ بدأ في تلاوته بقراءة أخرى حتى يأتي على جميع القراءات السبع أو العشر أو ما أراده منها.