الفتاوى أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٩٢

92

الفتاوى النكاح

من الناس إلى البذخ في العيش، والإسراف في الحياة، أوقعهم في الكثير من المشكلات، ودفعهم دفعاً إلى ما لا تحمد عقباه، بل هذا مما يدفع إلى الترف والعياذ بالله، والترف هو مصدر الشقاء كله، فهو مصدر شقاء الآخرة، فإن الله لم يذكر المترفين في كتابه إلا بالشر، فقد ذكر المترفين في معرض الحديث عن عذاب الآخرة، فإنه عندما ذكر أصحاب الشمال في سورة الواقعة أول ما وصفهم به الترف، فقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ﴾ [الواقعة: 45)، وذكر عذاب الدنيا وقرنه أيضاً بالترف، حيث قال: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةِ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ * فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ * لَا تَرْكضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَكِيكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْتَلُونَ﴾ [الأنبياء: 11 - 13] وقال: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَحْشَرُونَ﴾ [المؤمنون: 64]، وذكر عموم العذاب الذي يأخذ الجميع، ويبيد القرى ويقطع دابر الأمم، فبين أن منشأه إنما هو فساد المترفين، حيث قال: {وَإِذَا أَرَدْنَا أَن تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا

أن

فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَرْنَهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16]، وذكر تكذيب المرسلين وبين منشأه الترف، فقد قال سبحانه تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾ [المؤمنون: (33)، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَفِرُونَ * وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَلَا وَأَوْلَدًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذِّبِينَ﴾ (سبا: 34، 35] وقال: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا ءَابَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى ءَاثَرِهِم مُّقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: (23)، وذكر ـ أيضاً ـ معارضة المصلحين، والوقوف في وجوههم، والتنكر لدعوتهم، فبين أن منشأه الترف، فقال سبحانه: ﴿فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُوا بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُم وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ [هود: 116] وقد سبقت كلمة قبل سنين عن الترف فقلت: إن التقارب اللفظي بين كلمتي الترف