الإباضية في مصر والمغرب وعلاقتهم بأباضية عمان والبصرة
الجزء ١ · صفحة ٦٠الفرق الآخرين، إلا أنه كان يعيش في بيئة تطلق فيها حرية القول، وفي عصر لا يعرف التعصب المذهبي، لأنه عصر دول الطوائف التي اقتسمت بلاد الأندلس، وقام ملوك هذه الطوائف يتقربون للعلماء والفقهاء حتى يتخذوا منهم ذريعة تسند عروشهم الهزيلة (89)، ولذلك فإن هؤلاء الفقهاء ما كانوا يخشون لهم بأسا ولايرون لهم بطشا، فقال ابن حزم ماقاله دون خوف أو وجل. أما في بلاد المشرق، فقد كانت الدولة الحاكمة قوية شديدة البطش بكل من يخالف رأيها أو مذهبها، ولذلك جاءت هذه الأقوال المشينة عن الأباضية عند كتاب هذه الدولة ومؤرخيها رغم قربهم من مصادر الفقه والمذهب الأباضي سواء في البصرة أم في عمان. فالبصرة في بلاد العراق نفسها، وعمان ليست بعيدة عن بغداد أو دمشق بعد الأندلس عنهما، وموسم الحج كان يجمع الجميع، فلا عذر لأمثال هؤلاء الكتاب فيما قالوه وديجوه ضد الأباضية بغيا بغير علم.
لقد فات هؤلاء الكتاب أن يعرفوا ما تحدثنا عنه من طبيعة نشأة المذهب، وماقلناه عن أنه كان يعتمد على الكتاب والسنة والاجماع، وكان علماؤه لا يشددون على الناس ولا يعنفون بهم، بل كانوا ييسرون عليهم عندما يتناولون مشاكلهم الفقهية ويضعون لها الحلول. وقد ضرب جابر بن زيد المثل على ذلك، كما ضربه أقرانه وتلاميذه ومن جاء بعده من علماء المذهب. وعلى سبيل المثال فقد قال وائل بن أيوب الحضرمي الذي كان يعيش في البصرة وكان معاصرا للربيع بن حبيب، أي أنه كان يعيش في القرن الثاني للهجرة، أن "الفقيه هو الذي يعلم للناس مايسع فيه ما يسألونه. عنه، وأما من يضيق عليهم،
(89) رجب محمد عبد الحليم: العلاقات بين الأندلس الاسلامية وأسبانيا النصرانية، دار الكتاب المصري واللبناني، القاهرة، سنة 1985 م، ص 292 – 293