الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٠٦106 الفتاوى العقيدة
شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا نَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا نَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِى إِلَيْهِ مَن يُنيبُ} [الشورى: 13]، ومع گون هؤلاء الرُّسُل جميعاً كانوا يدْعُون إلى هذه العقيدة السَّويَّة التي تَصِلُ العباد بِرَبِّهِم وتربط ما بين الدنيا والآخرة وتصل بين العمل وجزائه وتصل بين الفناء والخلود جاء أولئك الرسل ـ أيضاً ـ بِعِلاج لمشكلاتٍ مُتنوّعة كانت تَرْزَحُ تَحتَهَا تِلْكُمُ المُجْتَمَعَات التي بُعِثَ فيها أولئك المُرْسَلُونَ كَمَا هُوَ وَاضِح في قصة شعيب وقصة لوط وغيرها من القَصَص، فإِنَّ كُلَّ واحدٍ كان يعالج مُشكلةٌ مُتَعَيَّنَة بِجَانِب مُعالَجَتِهِ لِمُشْكِلة العَقِيدَة وبِجَانِب حِرْصِه على أن يكون الناس جميعاً عَابِدِينَ الله سبحانه.
وبعث الله تعالى عبده ورسوله برسالة مُهَيْمِنَة على الرسالات السابقة ومُصدّقة لها، وقد جاءت دَعَوَات النَّبِيِّين من قبل تَوْطِئَة لهذه الرسالة وتمهيداً لَهَا، ولذلك أُخِذَ المِيثَاقِ عَلَيْهِم بِأَنْ يُؤْمِنُوا به:
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِشَقَ النَّبِيِّنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَبٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقُ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ، قَالَ وَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَالِكُمْ إِصْرِى قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَأَشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّهِدِينَ} [آل عمران: 81].
فرسالة النبي صلى الله عليه وسلم جامِعَة لِمَا تَفَرَّق في الرسالات الأخرى، وهي تتناول جميع مشكلات الحياة تناولاً جذرياً عميقاً، وهي تغُوصُ في أعماق هذه الحياة سواءً ما يتعلق بالجانب الرُّوحِي أو ما يتعلق بالجانب المادي، وتُبَوِّى كل شَيءٍ مُبَوَّأَهُ، فهي استجابةُ لِنِدَاءِ الفِطْرَة الذي يَتَجَلْجَلُ مِن أعماق النفس البشرية، ولذلك قال الله تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا نَدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30].