الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٠٨108 الفتاوى العقيدة
امرأة
وكانت الدروس التي يليقها تتعلق بالجوانب الدِّينِيَّة والفكريَّة، وربَّما حَضَر هذه الدروس أو وقف معها بعض الناس من غير المسلمين، وفي يوم من الأيام وقفت امرأة وأَصْغَت إلى الحديث الذي يتحدث به الرجل، وهي غربيَّة لا تُحْسِن شيئاً من العربية وكان الدرس باللغة العربية وفيه شَواهِدِ مِن آيات الله ـ تعالى ـ فقالت للرَّجُل بأنَّني سَمِعْتُ كلامك ولكن كان يتَخَلَّلُه کلام آخَر يَختلِفُ فيما تبَيَّنَ لِي عَنْ كَلامك إذ له رُوح غير الرُّوح التي في كلامك، فَرَدَّ عَلَيها بأنَّ ذلك هو كلام الله الذي اسْتَشْهِدُ به.
هذه
فَتَرَى أن أولئك هَدَتْهُمُ الفِطرة إلى أنَّ هذا القرآن فيه رُوح ليست في بَقِيَّة الكلام العربي وإن كانت الكلمات هي الكلمات والحروف هي الحروف والجُمَل هي الجُمَل، ولكن مع ذلك يَتفاوَتُ القرآن عن غَيْرِه، لأنَّ أسلوب القرآن لا يرقى إليه أيُّ أسلوب آخر، فإذن الفطرة هَدَتْهُم إلى هذا. ولا ريب أنّ الإنسان يُدْرِك أنَّه يَختَلِف عن الكائنات المُختَلِفَة الموجُودَة في هذه الأرض، إذ تُشَارِكُه كائنات متعددة الوجود في الأرض والحياة عليها، فهناك من الحيوانات ما هو أَطْوَل عُمُراً من الإنسان، وهناك ما هو أَقْوَى جسماً منه، وهناك ما هو أَشْجَع منه، ولكن ذلك كُلِّه يتميز الإنسان عليها بما آتاه الله من هذه النَّفْخَة الغَيْبِيَّة وهذا مع السر الإلهي الذي أُودع في تكوينه وهو العَقْل، ذلك السر الذي تَمكَّن بِه من تسخير بَقِيَّة الكائنات الأخرى لِمَصلَحَتِه، ولم تتمكن هي من تسخيره لِمَصْلَحَتها، فنجد أنَّ من الحيوانات ما يَفُوقُ الإنسان في قُوَّة جسمه وطُولٍ عُمُره وجُرْأَتِه ومِن هذه الحيوانات ما يُسَخَّرُه الإنسان لمصلحته، بينما أي منها لم يتمكَّن من أن يُسخّر الإنسان لِمَصْلَحَتِه، فوُجُودُ الإنسان يَختلف عن وُجُود بقية الكائنات، فلِمَاذا مُيّزَ بِهَذِهِ النَّفْخَةِ الغَيْبِيَّة وبِهَذَا
السر الإلهي؟!