الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٠٩مكانة الإسلام
من
الجزء الأول
109
إِنَّما هذا التَّمْيِيز لأنَّه يتحمَّل مسؤوليَّة عظيمة فوُجُودُه يَختلف عن وُجُودِ بَقِيَّةِ الكائنات الأخرى، وُجُودُه في هذه الأرض وُجُودُ سِيَادَة وخِلافَة، فهو ناحية سيد في هذا الكون بما آتاه الله تعالى مِن التَّمْكِين فيه وبِمَا سَخَّر له من مَوْجُودَاته، ومن ناحية أخرى هو خليفة في هذه الأرض مسؤول عن عمارتِها بِكَلمة الله والخليفة ليس لَهُ أن يتَصَرَّف فيما استُخْلِفَ فيه إلا بِإِذْنِ مِن مُسْتَخْلِفِهِ، فَلذلك كان الإنسان بِحَاجَة إلى نظام يَسِيرُ عليه في هذه الحياة، هذا النظام هو الدين.
ثُم إِنَّنَا نَجِد أَنَّ البَشَر جعلهم الله تعالى مجتمعات، فقد يكون هنالك مُجتَمَع يَتَميَّز على بقيَّة المُجتَمَعات بسيادة وبنظام وبقانون، فكُلُّ حَاكِم يَحكُم مُجتمعه بحسب ما يتَرَاءَى له مِنَ النظام الأَمْثَلُ الذي يَتَّفِق ويَنْسَجِم حَسْبَ مَا يَرَى مع ذلك المُجتمع الذي يَحكُمُه، ولا يُمكن لِحَاكم أَن يُهْمِلَ شَعْبَه أو أن يُهمل الأرض التي يحكمها بحيث لا يَجعل القانون سَيِّداً يَحكُم فيها، فَلَئِن كان هذا بالنسبة إلى الحُكّام الذين هم من البشر فكيف بالحاكم الأعظم الذي له الوُجُود بِأَسْرِه الذي لَه السَّماوات والأرض ومن فيهن وما فيهن؟! ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا لَقَدْ أَحْصَنَهُمْ وَعَدَّهُمْ عَذَا وَكُلُّهُمْ وَاتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 93 - 195 فلا يُمكن أن مَمْلَكَته من غير أن يكون هنالك نظام يَحكُمُها؟! والإِنسان بِمَا أَنَّه في الأرض وهو مركب من عقل وشهوة تتنازعه وتتجاذبه دوافع وَجَوَاذِب مِن عقله وشَهوته ورغباته ونَزَوَاته ولا بُدَّ مِن أن يكون لهذا الإنسان نِظام رَبَّانِي يَحكُمُه فِي هَذِهِ الأرض ويُوَجِّهه الوِجْهَة المَرْضِيَّة ولا يُمْكِن أن يُوكل إلى عقله وغَرَائِزِه وإرادته بنفسه.
يُهمل
مُسْتَخْلَفْ
والذين يستَجِيبُون لِهَذَا الدِّين إنَّمَا يَستجِيبُون لهذه الفطرة التي تدفعهم
إلى البحث عن النظام الإلهي الذي يُسْعِدُ الإنسان، وأنَّى للإنسان أن يَجِد هذا