الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٢٦126 الفتاوى العقيدة
هذه
المسلم أوْلَى بِأن يُفَسِّر ذلك، لأنَّ العالَمَ كُلَّه بِأَحْداثِه وتَصارِيفِه وما يَمُوجُ بِه هو لُغُزّ مُعَمَّى بِالنسبة إلى الإنسان وحَلٌّ هذا اللُّغْزِ بِيَدِ المُسلِم لأَنَّ مفتاحه بِيَدِه، فالله تعالى بَيْنَ في كِتابه الكرِيم كَيْفَ شَأْنُ القَدَرِ مع خَلْقِ الله، إذ يُخبِرُ عَمَّا أَصابَ الأُمم الغابِرَة لِيَذَّكِرَ الإنسان ولِيَأخُذُ العِبْرَة في الحياة، فالله تعالى يقول: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّتَهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ تُمَكِّن لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِم مِّدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَرَ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْتَهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَنشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ﴾ [الأنعام: 6] فهكذا بَادَت القُرون قَرْنا بَعْدَ قرن سواء كان هذا الإهلاك بِمَا أَخَذَهُم بِه مِن العذاب أو كان بالموت الطبيعي الذي يَشرِي في الناس، ولكن ربَّما كان الهلاك العام الذي يَأْتِي على جمهور الناس أَكْثَرَ مَوْعِظَةٌ وأَكْثَرَ زَجْراً لِلإِنسانِ عن الوُقُوع في مَحارِمِ الله، ويَقُولُ الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَنَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَ تَهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [الروم: 9].
ونَحنُ نَرَى كيْف عُمِرَتْ الأَرْضِ قَبْلَ هذه الأُمة عبر الأُمم السابقة، فآثارُ العُمْران قائمة إلى الآن، فهذه الأهرامات التي بقيت هذه القرون الطويلة، وهذه البِنَايَات التي عَمَرَتْها الأيدي القوية لا تَزالُ قائمة في أَمَاكِنَ مُتعَدِّدَة مِن الأرْض شَاهِدَة على أنّ الله بَسَطَ لأولئك من القوة وآتَاهُم ما لَم يُؤْتِهِ مَن بَعْدَهم، ولكن مع ذلك أُهلِكُوا وبَادُوا، وفي ذلك عِبْرَة إِذ يَقولُ الله تعالى: وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَنِكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنَ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ} [القصص: 58]، وهذا ما نشاهده في هذه المساكن التأريخية التي يُعَبَّرُ عنها بالمساكن الأثَرِية التي مَرَّتْ بِها القُرُون السابقة
وارْتَاحَتْ فيها وعَاشَتْ بِرَاحَة وبِنِعْمَة وبِتَمَتُّع ولكن مع ذلك بَادَتْ وفنت.