الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٢٧مكانة الإسلام
على
الجزء الأول
127
أنَّ الله يُبَيِّنُ لَنَا في كتابه الكريم بطريق الإشارة كيف كانت تلك القُرُون تَعِيشُ عِيشَةً طويلة، إذ ذَكَرَ أنَّ نُوحا لَبِثَ فِي قَوْمِهِ أَلْفَ سَنَةٍ إِلا خَمْسِينَ عاما، ومعنى ذلك أنّ تلك القُرُونَ الغَابِرَة كانتْ تَعِيش عيشَةً طويلة. وهذا ما دَلَّتْ عليه الحَفْرِيَّات والآثار الموجُودَة تَحْتَ الرُّكام من أَنْقَاضٍ مَبَانِيهِم، فقد دلَّتْ على أنّ الأُمم السابقة كانتْ تَعِيشُ عِيشَةً طويلة، فهناك أحد الإمريكان اكتَشَف قَبْلَ سِنِين أنَّ هناك مَمْلَكَة قامتْ في بِلادِ ما وَرَاءَ النّهْر تُسَمَّى «مَمْلَكَة تُشِيشِي الأُولَى تَعَاقَبَ على حُكْمِها ثلاثةٌ وعِشْرُون حاكما لمدة أربعة وعشرين ألفا من الأعوام ومعنى ذلِك أَنْ نَصِيبَ كلّ واحِدٍ من هؤلاء الثلاثة والعشرين أَكْثَر مِن ألف عام، ثُم قامَتْ بَعْدَ ذلِك «مَملكة أُورُوك الأولى التي أيضاً استمرت مدة طويلة، وكان نَصِيبُ كل حاكم فيها أكْثَر من مائتي عام، فمعنى هذا أنَّ أولئك كانوا يَعِيشُون عيشَةً طويلة، فكم هذه؟! اسْتَمْتَعُوا في مَعائشِهم وكم تَسَلَّطُوا على رقاب الناس؟! وكم عَاثُوا في الأرض فساداً؟! وإذا بهم الآن تمتحي آثارهم ولا يَبْقَى لَهُم ذِكْرِ إِلا مِن خلال هذه الحفريات التي هي شَاهِدَة على أحوالهم.
فإذن المؤمِن يَعتَبر بهذا، ويَعرِف أَنْ كلَّ ما يَجْرِي إِنما يجري بِقَضاءِ الله وقَدَرِه، فقَد يُؤَاخَذ المسلم أحيانا لِتَقْصِيرِه كأن يهمل واجب الدعوة إلى الله
والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإنَّ الله تعالى يقول:
وَإِذَا أَرَدْنَا أَن تُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَرْنَهَا تَدْمِيرًا} [الإسراء: 16] فقد يكون هنالِك جَماعة غَيْرُ مُجْرِمِين في الظَّاهِر ولكن إِجْرَامُهم حيْثُ السكوت عن تَفَشّي مَعاصِي الله وعن ظُهُورِ المُنكَرات ولَم يُبَالُوا بها، فكانت العاقبة تلك التي أَخْبَرَ الله تعالى بها وهي أنَّ فساد أولئك المُتْرَفِين يَنعَكِس أَثَرُه على غَيْرِهم ـ قال الله تعالى:
من