الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٤٩قيام الحجة
الجزء الأول
149
على هذا الإدراك نفسه فكذلك إدراك أن لهذا الكون مكوناً من الأمور المدركة بالعقل ولكن وجوب معرفة هذا الصانع أمر يتوقف على ورود الشرع: إذ ليس كل ما يصح علمه يكون واجباً علينا حكمه كما هو واضح من الأمثلة التي ذكرتها من قبل، وذهب الإمامان أبو يعقوب والقطب رحمهما الله في هذه المسألة خلاف مذهب الجمهور فرأوا أن معرفة الله تجب بنفس العقل ولو لم يرد بإيجابها شرع ولعلهما بنيا رأيهما هذا على أن معرفته تعالى أمر مقطوع بعدم عذر أحد فيه إن قامت حجتها وهذا مما أجمع
عليه وعليه فليست فى الخلاف بينهما والجمهور فائدة حقيقية بل اعتبارية. أما أبو سعيد وابن بركة فهما يريان تحكيم العقل في الأمور العملية عند عدم وجود حكم شرعي لدى العامل بسبب تعذر وصوله إليه وعندما يتبين له حكم الشرع وجب رجوعه إليه والله أعلم.
أصحاب الفترة (1)
سؤال عن قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15] فهل نفهم من الآية الكريمة أن الذين لم تصلهم الهداية غير معذبين؟
حجة الله تعالى قد قامت ببعثه الرسل وبإنزاله الكتب، وبالسماع الذي وصل إلى الناس بأن هناك ديناً تعبد الله به عباده فعلى هؤلاء الذين علموا بأن هناك ديناً يلزمهم اتباعه أن يبحثوا عن الدين ومعرفة الله تبارك تعالى تقوم حجتها من قبل العقل، أما جزئيات الأحكام الشرعية فهي لا تقوم إلا بالسمع، فمن لم تبلغه هذه الجزئيات، ولم يكن في وسعه الوصول إلى من
(1) أصحاب الفترة هم الذين كانوا بين نبيين من أنبياء الله ولم تبلغهم دعوة الإسلام.