الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٦٢162 الفتاوى العقيدة
الدليل الذي يخالفه، وبعضهم يأخذ بذلك الدليل لأنه يترجح عنده على الدليل الذي يخالفه، وهكذا، فلذلك تتعدد الآراء في النظر إلى مخصصات العمومات، وفي النظر إلى تقييد المطلقات وفي النظر إلى كيفية استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلة نظراً إلى أن هذه الأدلة أدلة غير نصية، فلذلك يقع الاختلاف بين العلماء في المسائل التي تدل عليها.
والمسائل التي هي معدودة من مسائل الرأي، وهي التي يستدل لها بأدلة ظنية؛ لا يقطع فيها عذر المخالف، ولكن مع هذا كله فإنه من الواجب على الإنسان إن وجد عالماً مجتهداً قادراً على الترجيح أن يرجع إليه، ذلك لأن العالم شأنه كشأن الطبيب، فالطبيب قد يعطي لهذا جرعة، ويعطي لآخر جرعة أخرى مع أن علتهما واحدة إلا أنه ينظر في كثير من الأحوال في الطبائع، فطبائع الناس تختلف هذا طبعه حار يابس، وهذا طبعه حار رطب، وهذا طبعه بارد رطب، وهذا طبعه بارد يابس فيكون علاج هذا يضر ذلك، وبجانب ذلك أيضاً ينظر الطبيب أحياناً إلى الفصول، وينظر إلى المناخات، وذلك أن المناخ الاستوائي غير المناخ البارد وهكذا، فلذلك يحتاج الطبيب إلى النظر في طبائع الناس، وفي طبائع المناخات، وفي طبائع الفصول والأزمنة، فيكون العلاج بمقدار ذلك، وهكذا شأن العالم أيضاً، مثال ذلك أن ابن عباس ـ رضي الله تعالى عنهما - جاء إليه رجل، وسأله عن تقبيل الرجل لزوجته وهو صائم، فأباح له ذلك، وجاءه رجل آخر وسأله نفس السؤال فمنعه من ذلك، وقد لاحظوا أن الرجل الذي أباح له أن يقبل امرأته وهو صائم كان شيخاً؛ أي رجلاً متقدماً في السن، ومن المعلوم أن الشيخوخة مظنة ضعف الشهوة، والآخر الذي منعه من ذلك كان شاباً، والشاب إنما هو مظنة فوران الشهوة، فلذلك منعه لئلا يجره التقبيل إلى ما هو أعظم منه، وهكذا.