الفتاوى: العقيدة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفتاوى - العقيدة ج 1

الجزء ١ · صفحة ١٦٣

قيام الحجة

الجزء الأول

163

ثم مع يشرع ويكون لمصلحة يعلمها الله - تبارك وتعالى، ولا يستطيع أن يطلع على تلك المصلحة إلا الربانيون من العلماء، ولذلك كان عمر الى ينظر في بعض الأحوال، فيحكم بأحكام قد يتبادر أنها مخالفة للتي حكم بها في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، وفي عهد أبي بكر، مثال ذلك أنه منع المؤلفة قلوبهم ما كانوا يُعطونه في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر، وسهم المؤلفة قلوبهم منصوص عليه في القرآن الكريم، على أن اجتهاد عمر إنما كان في تطبيق حكم القرآن لا في أصله فهو لم يقصد مخالفة القرآن، ولم يقصد مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يقصد مخالفة ما أجمع عليه المسلمون في عهد أبي بكر، ولكن رأى أن سـ سبب ذلك الحكم في القرآن إنما هو لأجل مراعاة غاية، هذه الغاية كان لا بد من ملاحظتها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وفي عهد أبي بكر له، ولكن بعد ذلك أصبحت أمراً لا داعي إليه؛ لأن الزمن، تبدل، فسهم المؤلفة قلوبهم إنما شرع من أجل كف شر هؤلاء المؤلفة لما لهم من مكانة اجتماعية عند قومهم فشرع إعطاؤهم من أجل استدرار خيرهم وكف شرهم، والإسلام بعدما قوي وأصبح يغزو الروم والفرس في عقر دارهما لم تكن هناك حاجة إلى أن يعطي هؤلاء مما كانوا يعطونه من قبل، فلذلك منعهم، وقال: (إن ذلك لما كان الإسلام ابن لبون، وأما الآن فقد بزل)؛ أي صار قويا ليس هو بحاجة إليهم، فهكذا كان اجتهاده مبنيا على أصل أصيل في الحق، فأين هؤلاء الذين يستطيعون أن يفرّقوا بين هذه الدقائق؟ لا ريب أن ذلك أمر لا يقدر عليه كل أحد، وإنما يقدر عليه العلماء الربانيون المتمكنون من العلوم القادرون على النظر في الأحكام الشرعية وإنزال كل شيء منزله، ولأجل هذا كانت الضرورة داعية إلى أن يتقيد الإنسان برأي العالم المجتهد في عصره إن وجد العالم المجتهد القادر على استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، والله تعالى أعلم.

ذلك قد تختلف الظروف، وتختلف الأحوال، فنجد الدليل الشرعي

١٦٣ / ٩١١