الفتاوى: العقيدة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفتاوى - العقيدة ج 1

الجزء ١ · صفحة ١٨٠

18 الفتاوى العقيدة

ومهما يكن فإن الإنسان الذي يُحس بعظمة الله تعالى من خلال نظرته إلى الكائنات ويُحِس بِنِعْمَتِه سبحانه تَغْمُره من خلال نظرته إلى ما سَهَّل له في هذا الكون يكون مَوْصُولاً بِرَبِّه، والإنسان مطالب أن يُمْعِن فِكْرَه فِي هذه الحقائق ليُدرك أنَّه أفقر ما يكون إلى الله تعالى في جميع أحواله فهو تعالى يقول مُذَكَّراً لِعِبَاده قُتِلَ الإِنسَنُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَبِيلَ يَسَرَهُ ثُمَّ أَمَانَهُ، فَأَقْبَرَهُ ثُمَّ إِذَا شَاءَ

(19

مهين

أَنشَرَهُ كَلَّا لَمَا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ فَلْيَنظُرِ الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَيْنَا الْمَاءَ صَبَا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقَان فَأَبْتَنَا فِيهَا حَبَّا وَعِنَبا وَقَضَبَا وَزَيتونَا وَنَخَلَا وَحَدَابِقَ غُلْبَا وَفَكِهَةٌ وَأَبَا مَّنَعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَمِكُمْ} [عبس: 17 - 32، ففي هذه الآيات يذكر الله الإنسان أولاً بنعمة خلقه إياه، فَقَد خُلَق مِن عدم، مِن أَمْرِ في منتهى المهانة، من خَلِيَّة وهي المُعبَّر عنها بالنُّطْفَة وَهِي مِن دِقَتِهَا وَحَقَارَتِهَا تُنظّر بِالمِجْهَر ولا تَكَاد تُبْصَر، ثم طَوَّرَه الله تعالى بَعْدَ أن خلقه منها طوراً بعد طور حتى كانت هَذِه الملايين من البشر، وفي جسم الإنسان ملايين الملايين من الخلايا، وَهِي مُتَنَوِّعة ولَهَا وظائف متعددة بقدر حاجة الإنسان إليها.

ثُمَّ مع هذا وُجد ـ أيضاً ـ في الإنسان ذلِكم السِّر الغَيْبَي وهو نَفْخُ الله تعالى فيه من رُوحِه بِحَيْث تَحَوَّل إلى كائن آخر فَصَار فيه الإحساس والمدارِك، وَبَعْد ذلك خَرَجَ إِلى هَذَا الكَوْن وأَخَذَ يَتَدَرَّج في مَدَارِج الرُّقي شَيئاً بَعْد شيء، فنمت حَوَاتُه الظاهرة والبَاطِنَة ومَدَارِكُه وقَوَاهُ، فإذا به بَشَرٍ سَوِيٌّ سَمِيعٌ بَصِيرٌ عَليمٌ قديرٌ يتصرَّفُ بإرادة ويَستَطِيع أن يُحكم الأمور التي يَحْتَاج إلى إحكامها في حياتِه، وهكذا، فهذا مِمَّا يدعوه إلى الاعتبار، وفي خضم هذه التطورات تدور على الإنسان دورة الحياة فيأخذ في انتكاس أَطْوَارِه الأخيرة، كما قال تعالى:

١٨٠ / ٩١١