الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٨١ا بالله
الإيمان
الجزء الأول
181
وَمَن تُعَمِّرُهُ نُنَكِسْهُ فِي الْخَلْقِ} [يس: 68)، ثم يموت بعد ذلك ثم يقبر. في سياق الآيات يُذكّره الله بنعمة الغِذَاء الذي يسره الله ـ تعالى ـ له، فالإنسان بحاجة إلى الغذاء، وهو مُيَسَّر للإنسان بقدر حاجة الجسد، فما كانت الحاجة إلَيْه أَدْعَى كان أكثر يُسْراً، فنحن لا نستغني في جَمِيع الأَحْوَال عن الهَوَاء، وَقد جَعَل الله - تعالى - الهواء مُيَسَّراً يسْتَنْشِقُه الإنسان في نَوْمِه يَقَظَتِه فِي ذِكْرِه وفي غَفْلَتِه في حركته وفي سكونه من غير أي عناء ومن
وفي
غير أي ثَمَن.
29
ثم تأتي بعد ذلك الحاجة إلى الماء والحاجة إلى الطعام الذي ذكره الله به في قوله: ﴿فَلْيَنظُرِ الْإِنسَنُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ [عبس: 24] كيف يُسِّر هَذَا الطعام؟ وكيف مَرَّ بِمَرَاحِل كثيرة: ﴿أَنَا صَبَيْنَا الْمَاءَ صَبَّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقَا فَأَنْتَنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبا وَقَضَبَا وَزَيْتُونَا وَنَخَلا وَحَدَابِقَ غُلَبَا وَفَكِهَةً وَأَبَا) * مَنَعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: 24 - 32]، فمَن الذي يسّر ذلك، ومن الذي أنزل هذا الماء، فلو أن الله سبحانه أمسك قطر سمائه من يستطيع أن يُنْزِل ما أمْسَكه ـ تعالى؟ ولَوْ أن الله - تعالى - جَعَل هذه الأرض تَتَشَقَّق وَتَغُورُ المياه التي فيها إلى أبعاد لا يُمكن أن يتوصل إليها الإنسان من الذي يستطيع أن يَسْتَرِدها ﴿قُلْ أَرَهَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَعِينٍ﴾
[الملك: 30].
-
فهَذَا كلُّه مِمَّا يدعو الإنسان إلى أن يكون كثير الاعتبار شاكراً لنعم الله ـ تعالى ـ عليه، يُحس ويشعر بها تغمره في جميع أحواله وَلَوْ وقف حياته كلها وعبادته من أولها إلى آخرها على طاعة الله - تعالى - فكان لسانه ذاكراً دائماً لِرَبِّه، وكانت كل جارحة من جوارحه تعمل بطاعة الله، لما استطاع مع هذا كله أن يَفِيَ بِشُكْر أَقَلِّ نعمة بل أقل جزء من أقل نعمة من هذه النعم العظيمة؛ والله - تعالى - المستعان، وهو أعلم.