الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٨٣الجزء الأول
183
ا بالله
الإيمان
شيء من اللبس في معناه، بسبب عطف الاستواء على العرش على خلق السموات والأرض «بثم» وهي تقتضي المهلة والترتيب؟ نعم إن «ثم» تقتضي المهلة، ولكن هذه المهلة تكون مهلة رتبية كما تكون مهلة زمنية فترتيب «ثم يكون ترتيباً رُتبياً أحياناً كما يكون ترتيباً زمنياً في بعض الأحوال، وقد قال بعض العلماء بأنها إذا عطفت الجمل فلا تكون إلا للترتيب الرتبي وحده، وممن قال به من المفسرين المتأخرين الشيخ الطاهر بن عاشور، ونحن وإن كنا لا نقول ذلك بالإطلاق إلّا أنا نقول بأن «ثم» كثيراً ما تأتي للمهلة الرتبية حال عطفها للجمل، والشواهد على ذلك كثيرة في القرآن الكريم، ومنها هذه الآية في قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ) فالله لا ذكر أولاً خلق السماوات والأرض، وذلك مما يستدعي أن يكون عقل الإنسان مفكراً في أطوار هذا الخلق وأحواله، ثم ينتقل به الحديث إلى شئ آخر يعد بعيداً جداً بحيث يقطع العقل في الانتقال إلى التفكير فيه مسافات، فبسبب قطع العقل لهذه المسافات الفكرية استحقت تلك الجملة الآتية العطف بـ «ثم». أمثلة ذلك قول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَتَيكَةِ ومن أسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: 11] فبدأ بالخلق أولاً والتصوير ثانياً، والتصوير مترتب على الخلق، فكونه متأخراً على الخلق زماناً هذا مما لا شك فيه، وبعد ذلك قال: {قُلْنَا لِلْمَلَتيكة) أن آيات «ص» و «الحجر» تدلان على أن أمر الله مع الملائكة بالسجود سابق على الخلق فقد قال تعالى في «الحجر»: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَكَةِ إِنِّي خَلِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَلٍ مِّنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَيْتُهُ، وَنَفَحْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [الحجر: 28 - 29] وقال في سورة ص: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَيْكَةِ إِنِّي خَلِقُ بَشَرًا مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَجِدِينَ﴾ [ص: 71 - 72]، فالأمر المحكي في كل منهما سابق على الخلق، ويوحي - أيضاً - أن الله الله أذن الملائكة ـ كما جاء في سورة البقرة ـ بأنه جاعل في
بذلك