الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٨٦186 الفتاوى العقيدة
فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ) [إبراهيم: 10]، أيْ كَيْفَ يَشُكُ الإِنسان في وُجُود الله مَعَ أنَّ دَلَائِل هذا الوُجُود بأسره دَالّة على وجوده ويقول سبحانه: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهُ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) [البقرة: 163)، ثم أتبع ذلك قوله:
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفِ الَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُل دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 164]، ومعنى ذلك أن الله ـ سبحانه ـ بعدما ذَكَر أنَّه الإله الوَاحِد لا إله إلا هو الرَّحْمَنِ الرَّحيم، وأنَّ كل مَا يُعْبَد سَوَاهِ لَيْسَ هو مِن الأَلُوهِيَّة في شيء بين أدلة ذلك مِن خِلال ما يَتَجَّلَى للإنسان وَيَتَرَاءَى لَه في هذا الوُجُود، المُتَرَامِي الأطراف الوَاسِع الأَرْجَاء، فإن هَذَا الكَوْن كُلَّه على تباعد أطرافه وتَرَامِيها هو وحدة مُتَكَامِلَة، كل جزء مِنْه مُكَمِّل لِبَقيَّة الأجزاء، فلا يُمكن أن يصَدَرَ عن أكثر مِن مُكَوّن واحد، لأَنَّهُ لَوْ كان هُنَالِكَ أَكْثَر مِن خَالق لاستقل كُلُّ وَاحِد مِنْهُم بإرَادَتِه، وإذا اسْتَقَلَّ كل واحد مِنْهُم بِإِرَادَتِه فلا بد من أن يكون مُسْتَقِلاً بِمُرَادِهِ، فيُريد كل منهم الشَّيْء بِخِلَاف مَا يُرِيدُه الآخر، يُريدُه أَحَدُهُمَا طويلاً وَيُريده الآخر قصيراً، ويريده أحدهُمَا أبْيَض وَيُرِيدُه الآخر أَسْوَد، ويُرِيده أحدهما ليناً ويريده الآخر صلباً، ويُريده أحدهما ناعماً ويُريده الآخر خشناً، وهَكَذَا تَخْتَلِف، الإرادات، وباختلافها يَخْتَلِف المراد، وهذا مِمَّا يؤدي إلى التَّنازُع وإلى عدم انتظام هذا الوُجُود وَذَلك الذي دل عليه قوله: لَوْ كَانَ فِيهِمَا عَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَنَا} [الأنبياء: 22]، ويَتَجَلَّى في شهود هَذَا الوجود كُلِّه أن الله - تعالى - إله واحد وذلك لأن هَذَا الوجود بأسره منتظم مُتَنَاسِق مُتَسَاوِق كُل جزء منه - كما قلت - مُكَمِّل لِبَقِيَّة الأجزاء فَلَا نِشَازَ وَلا اضطراب ولا تناقض، وهذا دليل واضح عَلى وَحْدَانِية خَالِقِه، فوحدة الشُّهود هَذَا، لأن الله تعالى يَتَجَلَّى وجوده في كل ذَرَّة من ذَرَّات الوُجُود.
تَتَجَلَّى في