الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٨٧ا بالله
الإيمان
ولكن
الجزء الأول
187
مع ذلك هذا التَّجَلِّي ضَلَّ به قوم زَعَمُوا أن الخالق والمخلوق هو حقيقة واحدة، فلم يُفَرِّقُوا بين الخالق والمَخْلُوقِ فَأَعْطُوا مَا للخَالِقِ للمَخْلُوق، وَوَصَفُوا المخلوق بصفة الخالق، حتى أَنَّهُم ذَهَبُوا إِلى الشَّك والاضطراب بحيث قال: أحدهم ـ والعياذ بالله ـ:
الرَّب عبد والعبد رب فليت شعري أين المكلف إن قلت عبد فذاك رب أو قلت رب فأنى يُكَلَّف
وذُكر عن بعضهم أنه قال: «سبحاني سبحاني ما أعظم شَأْنِي وَقَال الله» أيضاً: «ما في هذه الجبَّة غير بعضهم يعني أنه هو الله، إلى آخر ما قيل مِن أمثال هذه التُرَّهَات وَهِي التِّي يُعبر عنها بفلسفة وحدة الوجود.
وهذه فلسفة كانت وجدت في بعض الدَّيَانَات المنْحَرِفَة بسبب بعد أصحابها عن سَوَاءَ الصِّرَاط في تَصَوُّرَاتِهِم لِنَظَامِ هَذَا الكَوْن، وَلَكِن بِسَبَبٍ الاحتكاك الذي حَصَلَ بين بعض المسلمين وبعض فلاسفة الهنود الوَثَنِيِّين وغيرهم انتَقَلَت فِكْرَة وحدة الوُجُود إلى بعض صُوفية المسلمين فَعَبَّرُوا بمثل هذه التعبيرات البعيدة عن الحق وهي لا تُقَرُّ أبداً، ولا يَجُوز أَن يُصَوِّبَها أَيُّ أحد وَلَوْ كانت صادِرَة في شَطَحَاتِهم وفي أحوالٍ هُم فيها بَعِيدُونَ عَن الصَّوَاب.
فإذن فلسفة وحدة الوُجُود بهذا المعنى لا يُمْكِن أَن تُقَرَّ أبداً، إِذْ وُجُودُ الخالق لَيْسَ كَوُجُود المَخْلُوق، فالمَخْلُوق وُجُودُه وُجُود جَائِز في الأصل، وأمَّا وُجُود الخالق فهو وُجُود واجب، إِذْ لَا يُتَصَوَّر أن يكون غَيْر مَوْجُود بأي حال من الأحوال أزلاً وأبداً، أما المخلوق ففي الْأَزَلِ لَم يكن مَوْجُوداً، ثُم إن وُجُودَهُ يَنْتَهِي إلى أن يشاء الله تعالى أن يُجدد له الوجود، ولئن كان الله تعالى كتب الخلود لعباده: {فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي