الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ١٩٠190 الفتاوى العقيدة
190
فإبراهيم أَرَاهُ الله - تعالى - مَلَكُوته في السماوات والأرض، وقد كان على مَقْرُبَة من قوم يُقَدِّسُون النار ويعبدون الأجرام السماوية، فأراد الله تعالى أن يُجرِيَ على لسانه من دلائل الحق على أنَّ هذه الكائنات التي يعبدونها من دون الله سبحانه ليست هي من الألوهية في شيء، يقول الله وعلا فيما يحكيه عنه: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ الَّيْلُ رَهَا كَوْكَبَا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الافلين﴾ [الأنعام: 76] فهو ل لما رأى الكوكب قال هذه الكلمة لا لأنَّه يعتقد أن الكوكب هو الإله، ولكنه أراد أن يُقيم بذلك الحجة على هؤلاء بأنَّ الكوكب يظهر ويختفي وما كان كذلك فليس باله إذ لا يُمكن للإله أن يكون بهذه الحالة بحيث تعرض له العوارض وتَمر به الحالات وتختلف معه الأعراض، بل الإله هو ثابت سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَرُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَرَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103]، ثم بعد ذلك قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا رَمَا الْقَمَرَ بَازِغَا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَإِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ [الأنعام: 77]، كيف يمكن أن يكون القمر هو الإله مع أنَّه يَأْفُل كسائر الأجرام السماوية، أي تعرض له الحالات بحيث يظهر ثم يختفي، ثم بعد ذلك عندما بَزَغَت الشمس: ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي هذا أَكْبَر فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 78 - 79] فإبراهيم أراد بهذا كُلّه عندما قال: {هَذَا رَبّي) في رؤيته للكوكب وفي رؤيته للقمر وفي رؤيته للشمس أن يُقيم الحجة على قومه.
هذا
هو التفسير الصحيح، وإن ذَهَب آخرون إلى غير ذلك، ولكن هذا التفسير هو الذي يتَّفق مع دلائل العقل، فإنَّ إبراهيم على الفطرة السليمة، وهي تتنافى مع نسبة الربوبية لغير الله سبحانه، ودليل ذلك
قوله: