الفتاوى: العقيدة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفتاوى - العقيدة ج 1

الجزء ١ · صفحة ٢٢٧

الإيمان بالله

الجزء الأول

227

يُؤْمِن

لَيْسَتْ نظُرَةً مادية إلى حَقَائِقِ الوُجُود، بل نَظْرَة حقيقية نابعة من إيمانه، فهو أنَّ هذا الكونَ بِأَسْرِه مَحْكُومٌ بِأَمْرِ الله تعالى لا تَخْرُجُ ذَرَّةٌ مِن دَرَّاتِهِ عن إرادة الله ولا يُمكنُ أن تَتَحَرَّكَ ذَرَّة مِن ذَرَّاتِ هذا الكون إلا بِقَدَرٍ مِن الله ـ سبحانه ـ سواء كانتْ حَرَكَتُها خيرا أو شَرًا، ولا يُمكِن أَن يَخْرُج هذا الكون في نظامه عن ما قَدَّرَه الله، إذ إنه تعالى جَعَلَ لِكُلِّ شيءٍ سَبَبا، على أَنَّ الأسبابَ بنفسها لا تُفْضِي إلى مُسَبَّبَاتِهَا إلا بإرادة الله تعالى فقد تكونُ الأسبابُ قَائِمَة ولكن مع ذلك لا تَصِلُ إلى المُسببات، لأنَّ الله ـ سبحانه ـ أَرَادَ أَلَّا تَصِلَ إلى المُسَبَّبات، ولِهَذَا شَوَاهِد كثِيرة.

فعلى سبيل المثال في هذه الأيام القريبة كُنتُ بِبِلادِ الشام وكنتُ في جَلْسَة حَضَرَها أحد الشعراء وقَرَأ علينا قصيدة يَحْكِي فِيهَا قِصَّة رَجُل هُوَ أَخُو زَوْجِ ابْنَتِه وكان هذا الرَّجُل طبيباً ومُوَظَّفاً في الجيش وخَطَب فتاةً صَيْدَلانِية واتَّفق معها على الزواج وقبل عَقْد الزواج اكتُشف أنَّ في الرَّجُل مرضا خبيثا، وقرَّرَ الأطباء أنَّه لن يَعِيشَ إِلا سِتَّةَ أَشْهُر فحَسْب فما أراد أن يُضَيِّع مُستقبل تلك الفتاة فَذَهَبَ إليها لِيَتَحَلَّلَ منها ولِيُنْهِي الخطبة التي بَيْنَه وبَيْنَها، ولكن رَفَضَتْ ذلك وأَصَرَّتْ على إِثْمَامِ الزَّواج ولو بَقِيَا يَوْماً واحِداً، وخوَّفَتْه بالله ـ تعالى ـ أن يَلْقاه وهو أَعْزَب، وأُنْهِيَتْ خَدَمَاتُ الرجل بِسَبَبٍ كَوْنِهِ أُصِيبَ بهذا المرض فرأى أن يُعَالِجَ نفسَه بِالصَّدَقَة فَأَكْثَرَ مِن الصَّدَقَة والدعاء وتَزَوَّجَ الفتاة وعاشا في سَعادَة وعِندَهُمَا الآن ثَمانية من الأولاد وذَهَبَ عنه المرض كأنْ لَم يَكُن، فأسباب الهلاك كانتْ قائِمَة ومَوْجُودة حتى قَرَّرَ الأطباء أنَّه لن يَعِيشَ إِلا سِتَّةَ أَشْهُرٍ مِن خِلالِ نظرهم إلى الأسباب ولكن الله - تعالى - أَرَادَ ألّا تَصِلَ هذه الأسباب إلى مُسبَّبَاتِها فلم تَصِل وعاشَ الرَّجُل.

فعندما يكون المسلم رَاسِخَ الإيمان وتَكونُ عَقيدته عقيدةً قرآنية مؤصولة بالله تعالى يرى يده جل وعلا تُصرِّفُ هذا الوجود، فلا يَنْحَصِرُ نَظَرُه في هذه

٢٢٧ / ٩١١