الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ٢٥٢252
الفتاوى العقيدة
تاماً
نَصِفُ الله بأنه عالم وكذلك الإنسان بأنه عالم إذا كان لديه علم، وكذلك نصف الله بأنه عليم، فهل الإنسان عليم؟
إنه يجب علينا أن نعلم أن علم الله سبحانه يختلف عن علم المخلوقين تمام الاختلاف، فعلم الله وعمل غير مسبوق بجهل أبداً، وهو علم ذاتي ليس بواسطة بينه وبين المعلوم، وإنما ذاته تتكشف لها المعلومات تكشفاً وتتجلى لها تجلياً من غير احتياج إلى واسطة ما بين هذه الذات العلية وبين المعلومات، أما الإنسان فبخلاف ذلك، فعلمه حادث لأنه يعلم ما لم يكن يعلمه من قبل، وقد يجهل ما كان يعلمه: ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ [النحل: 70]، فالإنسان الذي كان عالماً فطناً ذكياً إذا رُدّ إلى أرذل العمر ينقلب إلى جهل ما كان يعلمه من قبل، ثم إن علم الله يا الله محيط بكل شيء، أما الإنسان فإن علمه علم نسبي محدود جداً. فهو لا يعلم ما في طوايا نفسه وتضاعيف تكوين جسمه من أسرار خلق الله الباهر إلا النزر اليسير الذي لا يساوي شيئاً بجانب ما يجهله بل لا يحيط بأسرار نطقه وإن كان ينطق متى أراد، فنحن نعلم أن الكلام يأتي من الدماغ، فتتنفس الرئتان ويصعد الهواء المختزن فيهما بواسطة القصبة الهوائية ثم بواسطة الشعب إلى الحنجرة، ثم تتفاعل مع ذلك الآلات المتنوعة كالأضراس والحنك واللهاة واللسان والشفتين بجانب الهواء ويخرج هذا الصوت المعبر عن قصد قائله المفهوم عند سامعه ولكن تبقى الحلقات مجهولة عند الناطق نفسه فمن أين يستوحي الدماغ هذا الكلام؟ ذلك شيء لا نعلمه. كذلك سِرّ الإبصار نحن لا نعلمه إنما ذلك من علم الله. والروح التي هي فينا - وهي سِرُّ حياتنا ـ لا نعلم كنهها وإن أدركنا آثارها، فضلاً عن أن نحيط علماً بما في ملكوت السماوات والأرض، فإذا كان الإنسان لا يحيط علماً بما في طوايا نفسه، فكيف لهذا المخلوق الضعيف أن يحيط علماً بدقائق الكون