الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ٢٩٨298 الفتاوى العقيدة
الوقت اقتضى الحال أن يؤخذ بغيرها من الأحكام، أما القواعد التي يقوم عليها الدين، وهي العقيدة والأمور الغيبية التي أخبر الله تعالى بها في تلكم الكتب والأخلاق الفاضلة التي دعا إليها جميع المرسلين فهذه كلها مما لا يقع فيها النسخ، لأن النسخ إنما هو في الأحكام التشريعية أما العقيدة فلا يمكن أن يقع فيها، نسخ، إذ النسخ فيها يعني التضارب في الأقوال، ويفضي - والعياذ بالله إلى الكذب، إذ لا يمكن أن يأتي كتاب من عند الله تعالى داعيا إلى اعتقاد الوحدانية مع أن كتابا آخر يدعو إلى اعتقاد التثليث أو التثنية أو وصف الله تعالى بأنه والد أو نحو ذلك مما ينزه الله الله عنه، فجميع الكتب تواردت على تنزيه الله تعالى عن صفات الخلق، وإنما جاءت في تلكم الكتب عبارات متشابهة كالعبارات التي نزلت في القرآن الكريم، والذين في قلوبهم زيغ يتبعون ما تشابه منه، فأقبلوا على المتشابه وأعرضوا عن المحكم، وما استطاعوا أن يردوا هذه المتشابهات إلى المحكمات ولذلك وقعوا فيما وقعوا فيه من التحريف والتبديل، فإن القرآن الكريم فيه آيات محكمات هن أم الكتاب من حيث إن المتشابهات تعتبر متفرعة عنها ترد إليها، كما يرجع الولد إلى أمه، ولا يمكن أن تجعل أصلا بنفسها، وكذلك الأخبار عن المغيبات، لا يمكن أن يخبر بشيء ثم يخبر بخلاف ذلك الشيء فإن ذلك هو الكذب الذي يتنزه الله تعالى عنه ويتنزه عنه رسله فلا يمكن أن يكون كلام الله مشتملا عليه، وكذلك الأخلاق الفاضلة فإن جميع دعوات المرسلين جاءت بترسيخ الأخلاق الفاضلة في أممهم ولا يمكن أن يدعو أي رسول من رسل الله سبحانه إلى ما يعاكس هذه الأخلاق الفاضلة، فمن أخذ بالقرآن الكريم فقد أخذ بما في الكتب السابقات من هدايات، فإن حصيلة ما في تلكم الكتب اجتمعت في القرآن الكريم.