الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ٣٠٩الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
رسالة مَوْقُوتَة كرسالات المرسلين من قبل، فلذلك كانت معجزته من ضمن رسالته، بل هِيَ وِعَاءَ رِسالته لأنَّ رِسَالَتَه اشْتَمَلَ عليها القرآن الكريم، فإذا بهذا القرآن معجز لجميع طبقات الناس، معجز بالنسبة إلى العرب الذين نزل بين ظَهْرَانِيهِم وهم قد بلغوا في ذلك الوقت شواً بعيداً في الفصاحة والبلاغة بحيث كانوا لا يُشَقُ لَهم غبار في الكلام نَظْمِه ونَثْرِه وسَجْعِه ومُرْسَلِه، ومُعجز ـ أيضاً ـ للأُمم الأخرى، فهو مُعجِز لأهل الكتاب بِمَا كَشَفَ من أحوالهم، وبِمَا عَرَّاهُ من دَخَائِلِهِم التي كانوا يَكتُمُونَها، وَهُوَ مُعجز للأُمم الأخرى إلى قيام الساعة بما فيه من أنباء بِمُغَيَّبات لم تكن تدورُ بِبَالِ أحد فإذا بالواقع يَأْتِي طِبق ما دَلَّ عليه القرآن، وكذلك هو مُعْجِز بالنسبة إلى التشريع المُتقن الدقيق، وهو مُعْجِز بالنسبة إلى الكشف عن مُخَبَّاتِ هذا العالم التي كانت لا تدور بحسبان أحد، فَمِن كُلِّ هذه النواحي القرآن الكريم معجز، وفي مقام التحدّي نجد أنَّ الناس عندما كانوا يَطْلُبُون الآيات يُرَدُّون إلى القرآن الكريم، فالله تعالى يقول: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِتَايَةٍ مِّن رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ [طه: 133]، ويقول أيضاً: أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ} [العنكبوت: 51]،
ويقول سبحانه: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَن تُرْسِلَ بِالْاَيَتِ إِلَّا أَن كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: 59]، فالله كل ما أراد أن يَسْتَأْصِل هذه الأُمَّة بِسَبب تكذيبها، بل أراد أن يكون لها امْتِدَاد، وأن يكون لها عَقِب صالح يؤمن بالله ويحمل رسالة الإسلام فَلِذلك جعل هذه المعجزة معجزة تبقى لا تُستأصل، ليكون بها التحدّي في أَعْقَاب الزمن إلى أنْ يَرِث الله الأرض ومن عليها، معجزة متنوّعة في تحدّيها للخلق بِحَسْبِ تَنَوُّع ثَقَافَاتِهِم وتَنَوُّع وَعْيِهِم وتَطَور إِدْرَاكِهِم.