الفتاوى: العقيدة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفتاوى - العقيدة ج 1

الجزء ١ · صفحة ٣١٥

الإيمان بالكتب السماوية

الجزء الأول

315

مَثَلُه - والله

أما الذين قالوا بالتَّناسُب فإنَّهم قالوا بأن القرآن الكريم المَثَلُ الأعلى - كمثل القصيدة الواحدة التي سَبَكَها الشاعر تتناول جوانب متعدّدة، وقد يُسْتَشهَد بالبيت من أبيات هذه القصيدة لِمُنَاسَبَة ما ويُسْتَشهد بِبَيْتِ آخر لِمُناسبة أخرى، لكن ذلك لا يمنع أن يكون هنالك تناسب بين هذه الأبيات، وأن يكون رباط ما بين كلمات هذه القصيدة، فكذلك القرآن الكريم آياته مُترتِّبة مُنتَظِمة وكلماته مَرْصُوفَة متناسِبَة، وهذا من أسرار إعجاز القرآن الكريم، وقالوا بأنَّ القرآن الكريم هو في عِلْم الله قبل أن يَنْزِل إلى الناس حسب هذا الترتب والتَّدوين الذي دونه والانتظام الذي انتظمت سُوَرُه، آياتِهِ، فَهو لَم يَخرُج عن هذا في عِلْم الله تعالى، وقد أَنزَلَه الله بِحَسْب الوقائع فجاءت آياته شفاءً لِمَا في صُدُور الناس وجواباً لتساؤلاتهم، على أنَّه جاء في الرِّوَايات أنَّ الرَّسُول صلى الله عليه وسلم هو الذي كان يأمرُ بأن تُوضَعَ الآيات في مَواضِعِهَا من السُّوَر، وهذا يدل على أن القرآن مُتَرَتِّب في عَهْدِ الرسول صلى الله عليه وسلم.

وهناك من عُلماء القرآن المتأخّرِين مَن كانت نظرَتُه أَعْمَق مِن نَظْرة التناسب وهي نظرة النظام، وهذا ما بَحَثَه الدكتور دراز في كتابه «النبأ العظيم وبحثه أيضاً الأستاذ الفراهي فهؤلاء قالوا بأنَّ القرآن الكريم ليس بَيْنَ آياته تناسُب فَحَسْب بَل بين آياته نِظام، ومعناه وجود سر لتقديم أمر على غيره أو تأخره عليه؛ وكذا في تسلسل الآيات في

ترتيبها.

ونَحن نُؤْمِن ونُوقِن بأنَّ الله عليمٌ بالقرآن وقد أنزله على عبده ورسوله علمه محمد صلى الله عليه وسلم بِحَسْب وبحسب الترتيب الذي أراده تعالى، فجاء مُترتِّباً بعد إنزاله على النبي في ظروف مُختلِفَة حَسْبَ مَا أَرَادَ الله لَه مِن الترتيب، الذي لا بُدَّ من أن يكون لحكمة علمها الله، فالتناسب حَاصِل،

٣١٥ / ٩١١