الفتاوى: العقيدة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفتاوى - العقيدة ج 1

الجزء ١ · صفحة ٣١٨

318 الفتاوى العقيدة

صَقَلَتْهُ الأجيال التي مرَّت جيلاً بعد جيل قبل نُزُول القرآن حتى وصل إلى ذروة سنام النَّصَاعَة والوضوح وقوة التعبير وصار لا يَرْقَى إِلَى شَأْوِهِ أَيُّ لسان آخر تهيئة لأن يكون هذا اللسان وعاءً لِكَلام الله المُنَزَّل للتحدّي والإعْجَاز، فلما نزل القرآن بهذا اللسان بَزَّ بلاغة البلغاء وتحداهم أن يأتوا بمثله فَعَجَزُوا، وتَحدَّاهم أن يأتوا بِعَشْر سُوَر من مثله فعجزوا، وتحداهم أن يأتوا بشورة من مثله فعجزوا، واستَنْفَر هِمَمَهم وَأَرْخَى لَهم العِنان بِحيث وَسَّع لَهم المجال أن يستَعِينُوا بِمَن شَاءوا مِن ظُهَرَائِهِم وأَن يُجرِّبُوا مَلَكَاتِهِم بكل حماس حتى يأتوا بما يُشْبِه القرآن الكريم، ولكن مع ذلك وَقَفُوا حَيَارَى، ولا رَيْب أنَّ هذا التحدّي مُستَمِر في كل عصر، فلا يُمْكِن أَن يَأْتِيَ أَحَدٍ بِمِثل

جميع

ومع

القرآن الكريم في عِبَارَاتِه وفي حُسْن أَدَائِه في أيّ عصر من العصور. ذلك فإن التطورات لم تقف عند حد، بل تتجدد معارف وأحوال وتنكشف أمورٌ لَم تكن ظاهرة من قبل، ورغم ذلك فالقرآن الكريم يسبق هذه الاكتشافات ويَسْبِق جَمِيعَ هَذِهِ الأطوار. وهو من حيث التشريع بَلَغ الأَوْج في مَتَانَته وعُمْقِه وقوته، فالقرآن جاء بِمَا يَعْجِزُ عنه جميع الناس ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، فلا يمكن للبشر كيفما كانوا أن يأتوا بمثل هذا التشريع الذي جاء به القرآن القرآن الكريم نَزَل في بيئة بِدَائِيَّة أُمِّية مَحدُودَة قَبَلِيَّة، لَم

الكريم

الكريم، مع

أنَّ

تكن ذات نظام سُلْطَانِي، أو أَمِيرِي، إذ لم يكن هنالك أمير أو سلطان فضلاً عن أن يكون إمبراطوراً يحكم جزءاً كبيراً من العالم، وهذه البيئة التي نَزَل فيها القرآن ما كانت خَاضِعَة لِنظام من هذه الأنظمة المدنية المعروفة آنذاك، والرَّجُل الذي نَزَل عليه القرآن لم يكن يَتولَّى أُمُور الناس إذ لم يكن مُتَأمّراً على الناس يرجعون إليه في مشكلاتهم وحَلْهَا، وإِنَّمَا كان من هذه الناحية

كَسَائِر الناس.

٣١٨ / ٩١١