الفتاوى: العقيدة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفتاوى - العقيدة ج 1

الجزء ١ · صفحة ٣٣

مدخل إلى علم العقيدة

الجزء الأول

33

هناك مَن يَتَمَسَّكَ بِهذه المقولة وهي أن اختلاف العلماء رَحْمَة، ثم يُرْدِف هذه المقولة بمقولة أخرى: «من أخذ بقول من أقوال المسلمين فهو سالم»، ألا ترون أنَّ هذه المقولة مَعَ تلك تُؤَدِّي إلى نوع من الانسياب في سلوك المسلم؟

لا ريب أن اختلاف العلماء رَحْمَة، وَلَكن لا يَعْنِي هَذَا أَن تَتَسَيَّبَ الأُمَّة، بِحَيْث تَتَتَبَّع الرُّخَص فيأخذ المسلم تارة بهذا الرأي وتارة بهذا الرأي وأخرى بالرأي الآخر، حَتى يُرَكَّبَ مِن عَمَلِهِ مَجْمُوعَة مِنْ آرَاء لا تعود هذه الآراء إلى قول أحد من علماء الأمة .. فَهَذَا مِمَّا لا يَسُوعُ، ولذلك ضبط كثير من العلماء مثل هذه الأحوال، بِوُجُوب أن يَرْجِع العامي الجاهل الذي لا يستطيع أن يُرجّح رَأْياً على رَأي إلى رأي العالم المعاصر القادر على الترجيح والنظر والاستدلال، حتى يُوَجِّهَهُ إلى الأخذ بالدليل الرَّاجح فَلَعَلَّه يُبَيِّن لَه الدَّليل، فيكون بذلك العامي قد أخذ بالدليل مُتَابَعَة لذلك العالم الذي بَيَّنه له، أما أن يُترك الحبل على الغَارِب ويُفْسح المجال لأي أحد يأخذ بما شاء من الآراء، ويَدَعُ ما يشاء، فقد يُفْضِي هذا الأمر إلى الفوضى في العبادات والأعمال، بحيث يجمع الإنسان شَتِيتاً من الآراء فيتّبع هذا العالم فيما ترخص فيه ويترك تشَدُّدَاتِه، ويأخذ بِرُخصة العالم الآخر وَيَدَعُ ـ أيضاً ـ تَشَدُّدَاتِه، ويأخذ بِرُخْصَة العالم الآخر في المسألة الأخرى وَيَدَع تَشَدُّ دَاته، فيجمع مزيجاً غريباً وخليطاً عجيباً من الآراء الشَّاذة التي لا ينبغي لأحد أن يُعوّل عليها، فإن كان هذا العامي مقلّداً لعالم فليأخذ بقوله في المسائل الفَرْعِيَة مِن غير أن يخرج عَن رَأيه هكذا ينبغي؛ والله - تعالى - أعلم.

٣٣ / ٩١١