الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ٣٣٦336 الفتاوى العقيدة
أما في مقام التحدي فإنَّ الناس كانوا يُرَدّون إلى القرآن الكريم، فالله تعالى قال: {وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِنَايَةٍ مِّن رَّبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيْنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى) [طه: 133]، ويقول تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَبَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: 51]، ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِن كَانُوا صَدِقِينَ﴾ [الطور: 34] ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: (13)، ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِثْلِهِ﴾ [البقرة: 23]؛ كل ذلك إنَّما كان في مقام التحدي، ذلك لأنَّ الله تعالى أراد أن تكون هذه المعجزة معجزة خالدة كخلود هذه الرسالة التي كتب الله - تعالى - لها البقاء إلى أن تنتهي
دورة الحياة في هذا الكون ويُعيد الكون إلى العدم ثم يُنشئه نشأة أخرى. ولما كانت هذه المعجزة معجزة تتحدى جميع الأمم وتتحدى جميع العصور فإنَّها كانت صالحة لجميع العصور، فما من عصر من العصور إلا
ويتجدد بروز إعجاز هذا السر الذي أنزله الله - تعالى - على نبيه.
ففي عهد النبي صلى الله عليه وسلم كان أبرز ما ظهر من هذا الإعجاز البيان، ذلك لأنَّ اللغة العربية هَيَّأها الله - تعالى - لأن تكون وعاء لكلامه المعجز، فارتقت إلى أوج البلاغة الشامخ، إذ هذبتها الألسن التي طورتها طوراً بعد طور، وبلغ العرب من البلاغة شأواً بعيداً لَم يبلغوه من قبل ولم تبلغه أي أمة من الأمم في بيانها.
ونزل القرآن وجزيرة العرب كانت طافحة بالعدد الهائل من الخطباء المَصَاقِع والشعراء البلغاء الذين لا يُشق لهم غُبار في ميدان الشعر والنثر، وإذا بهذا القرآن الكريم يقتادهم من ألسنتهم، فقد نزل بنفس هذا اللسان العربي وبنفس الحروف التي يُرَكَّبُون منها كلماتهم، وبنفس الكلمات التي يركبون منها حديثهم، ولكن مع ذلك كانت فيه نَفخة غيبية من سر الله تعالى حولته إلى شيء آخر فلذلك لم يستطيعوا أن يأتوا بحديث مثله،
مع
أَنَّهُم