الفتاوى: العقيدة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفتاوى - العقيدة ج 1

الجزء ١ · صفحة ٣٣٩

الإيمان بالكتب السماوية

الجزء الأول

339

ونحن نرى كيف جاءت الحروف حتى من حيث تراكيبها موحية بالمعاني التي تشتمل عليها الكلمات التي تركبت منها في القرآن الكريم، فنجد مثلاً في قول الله تعالى فيما يحكيه عن إخوة يوسف: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَوا تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَلِكِينَ﴾ [يوسف: 85]، كيف اجتمعت الحروف الشديدة هذا الاجتماع مما يوحي بانزعاجهم من تحسر أبيهم على يوسف، فمثل هذا لا يُمكن أن يجتمع في كلام آخر فلذلك حار العرب في بيانه.

أما لو جئنا من ناحية مضامين هذه الكلمات لوجدنا أمراً عجباً، فإنَّ القرآن الكريم اشتمل على التشريع المتقن العجيب مع أَنَّه نزل على أُمِّي لَم يكن يقرأ من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، فكيف ذلك جاء بهذا التشريع الذي يسع العالم بأسره، ويسع أطوار الحياة لولا أنه من عند الله الذي يعلم الخفايا كالظواهر ويحيط بالدقائق كالجلائل مع أنَّه من المعروف في تاريخ التشريع البشري أن التشاريع البشرية تمر بمراحل كثيرة وبتجارب مختلفة وبدراسات متنوعة: نفسية واجتماعية، ومع ذلك تكون هذه التشريعات دائماً فاشلة بحيث لا يمر عليها زَمَنٌ إلا ويتبين عُوَارُها وينكشف خللها. وحسبكم أن التشريع الروماني كان تجربة زُهَاء ثلاثة عشر قرناً، واجتمع على وضعه الخبراء المتخصصون وصحبت ذلك دراسات نفسية واجتماعية، وأين هو من التشريع القرآني الذي عجزت ملكات البشر جميعاً أن تأتي بمثله، سواء من الناحية الاجتماعية أو الاقتصادية أو السلمية أو الحربية، أو من أي ناحية من النواحي، بل الناس جميعاً يُضطرون إلى أن يرجعوا إلى القرآن وأن يعترفوا به، حتى أن كاسترو الشيوعي الراديكالي المتعصب قال قبل بضع سنوات: «ما بقي أمام العالم الآن إلا النَّمُوذَجُ القرآني»، وهذا اعتراف بالحقيقة، ولذا يُنادي العقلاء في كل مكان بضرورة الاستفادة من القرآن.

٣٣٩ / ٩١١