الفتاوى: العقيدة أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

الفتاوى - العقيدة ج 1

الجزء ١ · صفحة ٣٤٨

348 الفتاوى العقيدة

بقدر ما تشكل جمالا، فهل هذا ما يعبر عنه أهل اللغة تأدبا مع القرآن بأنه صلة وهل توافقون وجود هذه الوظيفة في القرآن الكريم؟

من ميزة القرآن أنه يخاطب العقل والعاطفة معا، أما كلام الناس فقد يكون فيه خطاب العقل وحده أو خطاب العاطفة وحدها فحكمة الحكماء إنما هي خطاب للعقل الذي يستوعب هذه الحكمة ولا أثر للعاطفة في ذلك وشعر الشعراء هو خطاب للعاطفة، فالحكماء يقولون مثلاً: «الحكم على الشيء فَرْعُ تصوره» وهذا كلام مُسَلَّم وكل ذي عقل يتقبله ويؤمن به ويراه أنه هو الذي ينبغي أن يُعول عليه ويؤخذ به ولكنه لا يَهزُّ أوتار العاطفة ولا يَشُدُّها بخلاف شعر الشعراء فنجد ـ مثلاً ـ قول امرئ القيس «قفا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل هذا الشطر مِنَ البيت يهزُّ أوتار العاطفة هزاً فإنه يلج إلى أعماق القلب ويُؤثر على النفس البشرية تأثيرا بالغا، ولكن مع كله لو فتّش العقل عن غذاء له من خلاله فإنه لن يجد شيئاً.

ذلك

أما القرآن الكريم فقد جاء بالدَّمْج ما بين الجانب العقلي والجانب العاطفي في الخطاب، فخطاب واحد يهز أوتار النفس هزاً وفي نفس هذا الخطاب إقناع للعقل مثال ذلك قول الله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَأَخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ اَرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23 - 24] فيجد العقل هنا بُغْيَتَهُ معَ كَوْنِ

-

العاطفة تتأثر تأثرا بالغا بهذا الخطاب.

ومثل ذلك قول الله تعالى: {يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوْمِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) [المائدة: 8] فهذا خطاب للعقل وللعاطفة معا لأنه خطاب الله الذي خلق عاطفة

٣٤٨ / ٩١١