الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ٣٥١الإيمان بالكتب السماوية
ومع
الجزء الأول
351
ذلك
هذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم لَم يُمارس إمارةً مِن قبل، إذ لم يكن أميرا في قومه ومجتمعه، وإنَّما كان ـ عليه أفضل الصلاة والسلام ـ كسائر الناس، ولَم تكن نفسُه تَطْمَح إلى البُرُوز والسيادَة والمشارَكَة في القرارات القبلية التي كانت تُتَّخَذُ في مجتمعه، إذ لم يُشارك - عليه أفضل الصلاة والسلام ـ إلا في حِلْفِ الفُضُول لِما دَعاه إليه من خدمةِ مَصالح المستضعفين في المجتمع، فلذلك كان بعيدا كل البعد عن الإطلاع على الأنظمة الدولية ومجريات أمور الناس وما تَتَطَلَّبه حياتهم الاجتماعية والتشريعية، ومع نَزَلَ هذا القرآن عليه صلوات الله وسلامه مُوَفِّيا لحاجة الإنسانية فوَضَعَ كَلَّ شَيْءٍ مَوْضِعَه وَبَوَّأَه مُبَوَّاه، فأقامَ العلاقات الاجتماعية، ووَضَعَ نِظاما ماليا لم يَرْقَ إِليه فِكْرُ بَشَرٍ قَط، إذ لَم يَصِل فِكْرُ بَشَرٍ إلى مثل هذا النظام الذي جاء به
ذلك
القرآن الكريم، وهو دَليلٌ على أنَّه من عندِ الله الذي يَعلَمُ السِّرَّ وأَخْفَى. فنحنُ إذا جئنا إلى نظام القرآن المالِي نَجِد العَجَب العُجاب، فهو يَنسَجم تَمامَ الانسجام مع الفِطْرَةِ البَشَرِية، إذ لَم يَحْرِم الفَرْد مِن التَّمَلُّك ولكن جَعَلَ هذه الملكية مُقَيَّدَة غَيْرَ مُطْلَقَة فهو يُخالِفُ بهذا النظام الاشتراكي الذي يُذِيبُ الفَرْدَ في بوتقة المجتمع، ويُخالِفُ أيضاً النظام الرأسمالي الذي يُعْطِي الفَرْدَ مراده ولو كان ذلك على حساب المجتمع.
فالقرآن الكريم أثْقَل الإنسان بِالتكاليف المالية مع إطلاقِ يَدِه للاكتساب بل دعاه إليه وزاد ذلك تأكيدا إذ قَرَنَ بين الاكتساب والعبادة، كما في قوله
تعالى:
فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ} [الجمعة: 10]، وقَرَنَ ـ أيضاً ـ بين الاكتساب وبين عبادةِ الحج في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [البقرة: 198]، وقَرَن ما بين
الاكتساب وبين الجهاد في سبيل الله، حيث قال: