الفتاوى - العقيدة ج 1
الجزء ١ · صفحة ٣٥٩الإيمان بالكتب السماوية
الجزء الأول
359
المعاني التي يستحضرها غالباً تكون أعمق من العبارات التي يُصور بها تلك المعاني، فالدقة في التصوير لا يملكها الإنسان كما يملك التفكر في المعاني البليغة التي يدركها بعقله، ومن هنا كان كلام الله له الا الله متميزاً عن سائر الكلام، فإن كلام الله الله صادر عمن يعلم السر وأخفى، ولا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض، لذلك جاء شاملاً لكل ما يخطر في النفوس من خواطر، بحيث لا تكون هناك خاطرة من الخواطر التي تطرى على الذهن إلا وقد استوفتها عبارة القرآن، أما كلام البشر فإنه مهما رقى في أوج البلاغة وازدان بجمال التعبير يظل قاصراً عن استيفاء الخواطر فقد تكون لسامعه خواطر متعددة لم يستوفها، وذلك راجع إلى القصور الذي جبل عليه البشر، فالسجع ليس هو من البلاغة، فقد يكون الكلام بليغاً بلا سجع، وقد يكون السجع مذموماً، عندما يؤدي إلى الملل، وأحياناً يكون فيه تكلف. تشمئز منه النفس، فكلام الكهان سجع بلا بلاغة وهو مذموم والله أعلم.
سؤال عن قول الله تعالى حكاية عن مريم: ﴿أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيَّا﴾ [مريم: 18 ما المقصود بكلمة التقوى في الآية؟ وكيف يستعاذ بالرحمن ممن كان تقياً؟ وما وجه الإعجاز البياني لورود كلمة التقوى الآية دون غيرها من الكلمات؟ كلمة «تقي» هنا تحتمل معنيين، قيل ـ وهذا ما لم أجد دليلاً عليه ـ بأن جبريل جاءها في صورة شاب كان يسمى تقياً، وقيل: تعني بقولها إن
في
هذه
كنت تقيا، إن كنت تخشى الله، فإن الذي يخشى الله عزوجل إذا سمع الاستعاذة بالله الا الله من فعل السوء، تثور في نفسه مشاعر التقوى، فتحول بينه وبين الوقوع في المحارم، وفي هذا ما يكفي الإنسان دليلاً على أن هذه الكلمة وضعت، موضعها فإن للتقوى معنى واسع لشمول معناها الشرعي